البث المباشر
  • الرئيسية
  • من فكر المرجع اليعقوبي
  • أهل البيت
  • المناسبات الإسلامية
  • الدين والحياة
  • البث المباشر

أربعون قراءة فكرية وحضارية في خطبة عيد الأضحى للمرجع اليعقوبي

أربعون قراءة فكرية وحضارية في خطبة عيد الأضحى للمرجع اليعقوبي

09 يونيو 2026
47 منذ 4 أيام

أربعون قراءة فكرية وحضارية في خطبة عيد الأضحى للمرجع اليعقوبي: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

القراءة الأولى: دولة العدل والإحسان في فكر المرجع اليعقوبي

 

تندرج هذه القراءة ضمن مجموعة قراءات تحمل عنوان: (أربعون قراءة فكرية وحضارية في خطبة عيد الأضحى للمرجع اليعقوبي)، وتسعى إلى تفكيك الدلالات الفكرية والقرآنية الكامنة في خطاب الخطبة، واستجلاء أبعادها التربوية والحضارية في بناء الإنسان والمجتمع.

 

وفي هذا السياق، تتناول هذه القراءة قبساً من الخطبة الموسومة بقوله تعالى: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾، حيث يبرز فيها محورٌ مركزي يتصل بفكرة «دولة العدل والإحسان»، المستندة إلى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. ولا تُطرح هذه الآية في الخطاب بوصفها توجيهاً أخلاقياً مجرداً، بل باعتبارها قاعدة تأسيسية لمشروعٍ اجتماعي وحضاري عالمي متكامل، تتداخل فيه العدالة مع الإحسان في صياغة النموذج الإنساني والمجتمعي المنشود.

 

ويأتي مفهوم الإحسان في هذا الإطار بوصفه المنظومة الأخلاقية العليا التي يتكامل فيها تهذيب النفس، وإخلاص التوجه إلى الله تعالى، وضبط السلوك في العلاقة مع الآخرين على أساس العدل والرحمة والإحسان، والسمو فوق الأنانية والقسوة والاستئثار والتنازع. فهو ليس مجرد تركٍ للخطأ أو اجتنابٍ للمعصية، بل ارتقاءٌ في النية والفعل معاً، بحيث يعيش الإنسان حالة المراقبة لله تعالى، ويستعلي على نوازع الحسد والغضب والعدوان، ويتحرر من ردود الفعل الانفعالية التي تدفعه إلى الخصومة والصراع.

 

ومن هذا المنطلق، تسعى هذه القراءة إلى إبراز كيف يتحول مفهوم الإحسان في الخطاب إلى عنصرٍ بنيوي في بناء المجتمع والدولة الصالحة، فلا يقتصر أثره على تهذيب الفرد أخلاقياً، بل يمتد ليؤسس لثقافة عامة تنتج مجتمعاً متوازناً ومتراحماً ومؤهلاً لحمل مشروع الاستخلاف الإلهي في الأرض. وهكذا يغدو الإحسان، في ضوء هذا التصور، ليس قيمة فردية فحسب، بل ركيزة حضارية تتكامل مع العدل في صناعة «دولة الإنسان الصالح».

 

وتحاول هذه القراءة الكشف عن هذا الامتداد المفاهيمي بين النص القرآني والخطاب الإصلاحي، وبين البعد الأخلاقي والبعد السياسي والحضاري، بما يفتح أفقاً لفهمٍ أعمق لدور القيم في بناء المجتمع والدولة في الرؤية الإسلامية.

 

ولبيان أهمية هذا المشروع الحضاري، وخطورة إهمال ثقافة العدل والإحسان في حياة الإنسان والمجتمع، يمكن الاستشهاد بالنموذج الذي طرحه سماحة المرجع اليعقوبي في إحدى خطب عيد الفطر السابقة، مستلهماً قصة ابني آدم (عليه السلام)، بوصفها أول مشهد قرآني يكشف أثر الإحسان أو غيابه في صناعة المصير الإنساني.

 

يمكن قراءة هذه الحادثة ضمن إطار تحليلي متكامل يتوزع على عدة مستويات مترابطة، أبرزها: الإحسان إلى النفس والإحسان إلى الآخرين.

 

أولاً: الإحسان إلى النفس وأثره في قبول العمل

يكشف النص القرآني أن بداية الانحراف لم تكن في فعل القتل نفسه، وإنما في الخلل الداخلي الذي أصاب نفس قابيل. فقد أخفق في إحسانه إلى نفسه من خلال تهذيبها وإخلاص العمل لله تعالى، فكان من نتائج ذلك عدم قبول قربانه، ثم تحوّل هذا الإخفاق إلى حسدٍ واعتراضٍ على أخيه الذي تقبّل الله قربانه.

 

وفي المقابل، جسّد هابيل صورة الإحسان إلى النفس بأوضح معانيها؛ إذ هذب نفسها وروضها وأخلص نيته لله تعالى، وأحسن عمله، فجاء القبول الإلهي ثمرةً طبيعية لهذا الإحسان. ولهذا أرجع معيار القبول إلى ميزان التقوى وحده بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: 27).

 

وهنا تتجلى حقيقة جوهرية في مفهوم الإحسان، وهي أن الإنسان يبدأ ببناء نفسه قبل أن يبني علاقاته مع الآخرين؛ فصلاح الظاهر إنما ينشأ من صلاح الباطن، وقبول العمل مرتبط بإخلاص النية وتنقية القلب من الأهواء والمطامع والمنافسات غير المشروعة. ولم يكن سبب سقوط قابيل فقدان العمل الظاهري، بل فساد الباعث الداخلي الذي حوّل العبادة إلى ميدان للمقارنة والحسد والتنافس المذموم.

 

ثانياً: الإحسان إلى النفس بوصفه حاجزاً أمام الجريمة

لم ينتقل قابيل إلى الجريمة دفعة واحدة، وإنما مرّ بمراحل نفسية متدرجة عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ (المائدة: 30).

وتكشف هذه العبارة القرآنية عن حقيقة تربوية دقيقة، وهي أن الانحراف يبدأ من الاستجابة للفكرة الخاطئة، ثم تبريرها، ثم التعايش معها حتى تتحول إلى سلوك عملي. وقد أشارت الروايات إلى أن إبليس غذّى في نفس قابيل مشاعر الحسد والتميّز القبلي حتى استسلم لفكرة القتل وأقدم عليها.

ومن هنا يظهر الإحسان بوصفه قوة داخلية تمنع النفس من الاستسلام للتزيين الشيطاني. فلو أحسن قابيل إلى نفسه بكبح دوافع الحسد وإغلاق أبواب التفكير المنحرف لما انتهى إلى الجريمة. وهذه القاعدة لا تختص بقصة قابيل، بل تمتد إلى جميع المعاصي، ولا سيما الكبائر؛ إذ لا يقع الإنسان فيها بمجرد خطورها في الذهن، وإنما نتيجة التفاعل المستمر معها حتى تتحول إلى إرادة ثم إلى فعل.

 

ثالثاً: الإحسان إلى الآخرين في إدارة الصراع

إذا كان قابيل قد مثّل نموذج الإساءة إلى الآخرين، فإن هابيل قدّم نموذج الإحسان في أرقى صوره؛ إذ رفض الانجرار إلى منطق المقابلة بالمثل، وأعلن موقفه الأخلاقي الواضح برفض الاعتداء رغم التهديد المباشر، في تجسيدٍ عملي لقيم العدالة والسمو الأخلاقي وضبط النفس.

 

ويتعزز هذا المعنى في سيرة الأنبياء، ففي بعض قصص الأنبياء أنه أتي له بأسرى في نهاية معركة انتصر فيها، فاقترح بعض أصحابه قتلهم، غير أنه امتنع عن ذلك، رافضاً تحويل فعل العدو إلى مبررٍ لتبنّي سلوك مماثل، ومؤسساً بذلك لمبدأ أخلاقي في إدارة الصراع يقوم على عدم الانزلاق إلى مستوى الخصم، وعدم جعل الظلم السابق ذريعة لظلم لاحق. وهذا ما سجله القران الكريم زجره عن مثل هذا السلوك بقوله (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) (النساء:140)

 

ويأتي هذا الموقف منسجماً مع التوجيه القرآني الصريح: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)، الذي يؤسس لقاعدة ثابتة في السلوك الإنساني مفادها أن العدل لا يتعطل بسبب العداوة، وأن الإحسان لا يُلغى تحت ضغط الانفعال.

 

كما تتجلى هذه الروح في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حينما أُخبر بمصيره على يد عبد الرحمن بن ملجم، فقيل له: لم لا تقتله؟ فقال: «لا يجوز القصاص قبل الجناية»، في تأكيد لمبدأ العدالة الإجرائية ورفض العقوبة الاستباقية، بما يعكس سموّ الرؤية الإسلامية في ضبط الصراع الإنساني، على عكس الدول التي تدعي التحضر وتتبنى الضربات الاستباقية!.

 

وبهذا تتكامل النماذج القرآنية والنبوية والعلوية في تأسيس قاعدة واحدة، مفادها أن الإحسان في التعامل مع الآخر لا يعني الضعف، بل هو تعبير عن قوة أخلاقية تمنع إعادة إنتاج العنف، وتؤسس لوعيٍ حضاري يقوم على ضبط النفس وعدم الانجرار إلى منطق الانتقام.

 

رابعاً: من القتل المادي إلى القتل المعنوي

ولا يقتصر الدرس القرآني في هذه القصة على جريمة القتل المادي، بل يمتد إلى صور القتل المعنوي التي قد تكون أشد أثراً في حياة الأفراد والمجتمعات.

 

فالقرآن الكريم يقرر أن: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: 191)، وأن: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: 217)، بما يشير إلى خطورة الاعتداء على القيم والسمعة والوعي والهوية.

 

ومن صور هذا القتل المعنوي: إهمال تربية الأبناء، أو التقصير في هداية الناس وإصلاحهم، أو السعي إلى تشويه سمعة المصلحين والعلماء والمؤمنين، أو ممارسة حملات التسقيط والإساءة الشخصية التي تهدف إلى تحطيم الإنسان معنوياً. ومن هنا يبرز الفرق بين النقد الإصلاحي الذي يركز على معالجة الأخطاء والظواهر السلبية، وبين التسقيط الذي يستهدف الأشخاص ويعمل على هدم مكانتهم الاجتماعية.

 

خامساً: الإحسان أساس دولة العدل والإحسان

إن قصة ابني آدم لا تُقدَّم في القرآن بوصفها حادثة تاريخية فحسب، وإنما باعتبارها نموذجاً كاشفاً لمسارين متقابلين: مسار الإحسان الذي يبدأ بإصلاح النفس وينتهي ببناء المجتمع، ومسار الإساءة الذي يبدأ بإهمال النفس وينتهي بالعدوان والفساد.

 

ومن هنا تتضح العلاقة العميقة بين الإحسان الفردي والمشروع الحضاري الذي تطرحه الخطبة تحت عنوان «دولة العدل والإحسان». فالدولة العادلة لا تقوم بالقوانين وحدها، وإنما تحتاج إلى إنسان محسن يضبط شهواته، ويهذب دوافعه، ويحسن علاقته بالله تعالى، ثم يترجم ذلك إلى رحمة وعدالة وتكافل في علاقته بالآخرين.

 

وبذلك يتحول الإحسان من فضيلة فردية إلى قاعدة حضارية شاملة، ومن خلق شخصي إلى مشروع اجتماعي عالمي، تتأسس عليه رؤية قرآنية للتعايش الإنساني، يكون فيها ضبط النفس، والعدل، والرحمة، والسمو الأخلاقي، ركائز أساسية لبناء الإنسان والمجتمع والدولة.

 

مصادر هذه القراءة:

1- خطبتا عيد الأضحى1447 سماحة المرجع اليعقوبي بعنوان(وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

 

2- الخطبة الثانية لصلاة عيد الفطر لسنة 1440 الموافق 5/6/2019

https://yaqoobi.com/arabic/index.php/permalink/845414.html

 

 

محمد النجفي

مشاركة المقال:

مقالات مشابهة

(الإحسان الى الناس).. درس من الإمام الجواد (ع)

عشرون عامًا في البحوث العالية

بين وهم التحليل وحقيقة الانتظار:كيف نهيئ أنفسنا لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف؟

الجدول

  • على الهواء
  • التالى
  • بعد

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

مناسبات شهر ربيع الاول

شهادة الامام الحسن العسكري ع

8

ولادة النبي الاكرم (ص)

17

ولادة الامام جعفر بن محمد الصادق ع

17

تابعنا

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لقناة النعيم الفضائية