في كل مرحلة تشهد اضطرابات سياسية أو أمنية، تتجدد موجة التحليلات التي تسقط الروايات الواردة في شأن الظهور المبارك على أحداث معينة، وكأن التاريخ لم يعلمنا أن مثل هذه القراءات المتعجلة قد تكررت مرارا… ثم سقطت، وتركت وراءها خيبة في النفوس، وارتباكا في العقول، وتشويشا في العقائد.
أيها الإخوة المنتظرون
إن الروايات الشريفة لم تعط لنا لنحولها إلى نشرات تحليلية للأحداث، بل لتكون بوصلة إصلاح وبناء وانتظار واع.
فالخطر ليس في متابعة الأحداث، بل في تحويل النصوص المقدسة إلى أدوات إسقاط سياسي لحظي.
أيها الأحبة، ليس كل من قرأ رواية صار قادرا على تأويلها، ولا كل من تابع خبرا أصبح أهلا لإسقاطه على علامات الظهور.
ولو سلمنا ـ جدلا ـ بصحة بعض هذه التحليلات، السؤال الأهم:هل المجتمع اليوم مهيأ لاستقبال الإمام عجل الله فرجه؟
هل هيأنا شرط الظهور الحقيقي؟
هل بنينا العدالة في سلوكنا؟
هل أقمنا الصدق في معاملاتنا؟
هل وحدنا صفوفنا؟
هل وقفنا مع الحق حين كان ثمنه باهظا؟
أيها الناس، علينا أن نفهم أن يوم الظهور الميمون ليس حدثا زمنيا فقط، بل تحول إنساني وأخلاقي واجتماعي، وعليه تترتب الكثير من الأمور المهمة
لذا نحتاج إلى جواب السؤال الآتي:هل سينتفع الجميع من الظهور؟
علينا أن نلتفت لقوله تعالى:﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30)﴾ [ السجدة ]
أيها الأحبة، إن التاريخ والواقع يجيبان بصراحة:
ليس كل من يدعي الانتظار سيكون من أنصار الإمام عليه السلام.
فكم من أناس يرفعون شعار الدين، ثم يقفون ضد كل مشروع إصلاحي!
وكم من من ظاهره التدين حاربوا أي مسعى فيه نفع اجتماعي بحجة الخوف، أو المصلحة، أو التأويل!
وما ذلك إلا لأنهم فقدوا البصيرة، فكانوا بحق خارج دائرة الرعاية الإلهية قال تعالى:﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾[محمد: 14]
فالميزان ليس في الادعاء، بل في الموقف العملي من مشاريع الإصلاح.
ولكي لا نبقى بلا موقف عملي إزاء الأحداث، نحن اليوم بأمس الحاجة إلى:التكاتف والتلاحم،
ونبذ الفرقة والخطاب الممزق،وتغليب الدين والوطن على العناوين الثانوية،وبناء وعي وطني رسالي مشترك، كما أشارت المرجعية الدينية الرشيدة في كثير من خطاباتها، ومنها خطاب الجيش الرديف.
وهنا نكرر ما قلناه سابقا وفي مناسبات عديدة:
إن القوات المسلحة بكل صنوفها وتشكيلاتها، من الجيش والشرطة والحشد وسائر القوى الأمنية، تمثل صمام أمان الوطن، والوقوف معها ليس مجرد موقف سياسي، بل موقف شرعي وأخلاقي ووطني.
وكما يجب على الحكومة بذل أقصى طاقتها لتجهيز هذه القوات بما يلزم من آليات ومعدات للحفاظ عليها وتحقيق الهدف المطلوب منها، امتثالا لقوله تعالى :﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[الأنفال: 60].
فالاستعداد، واليقظة، والدعم المعنوي، والالتفاف الشعبي، من أهم شروط حماية الأوطان.
ووسط كل ذلك تتجلى مسؤولية طلبة العلوم الدينية الأجلاء:في تثقيف المجتمع عقائديا بوعي لا بعاطفة،وفي ترسيخ حب الوطن بوصفه من مصاديق حفظ الدين،وبيان أن التضحية لأجل الوطن ليست ضد العقيدة، بل من صميمها،كما يفترض توجيه الناس إلى أن الانتظار الحق هو عمل وإصلاح، لا تهويل وتحليل قال تعالى:﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾[يوسف: 108]
أيها الإخوة والأخوات الأجلاء، إن أحداث الظهور المبارك لا تحتاج إلى محللين … بل تحتاج إلى:
مجتمعات عادلة ومتطورة ، ونفوس صادقة مخلصة ، وقلوب موحدة،وأوطان مصانة .
فالانتظار ليس ترقب حدث، بل صناعة إنسان قادر على تطبيق العدل وقبول الحق ولو كان على نفسه.
أيها الطيبون التواقون لرؤية صاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف، من أراد أن يكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه، فليبدأ اليوم:بنصرة الحق،وخدمة المجتمع،
وحماية الوطن،
ودعم المصلحين،
وبناء وحدة لا تمزقها التحليلات.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المنتظرين الصادقين، لا من المفسدين باسم الانتظار، ومن العاملين للظهور، لا من المتفرجين عليه قال تعالى:﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].
بقلم السيد رسول الياسري