مركز الامام الصادق عليه السلام للدراسات والبحوث الإسلامية التخصصية:
المبعث النبوي الشريف: بعثة القراءة والعقل وبناء الإنسان
نستهل الحديث بتقديم التبريكات بمناسبة ذكرى المبعث النبوي الشريف، الذي أوضح القرآن الكريم فلسفة بعثته المباركة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]. وقد وصفته آياتٌ أُخَرُ بأوصافٍ متعددة.
دعوة لإعادة قراءة السيرة النبوية
وممّا يقتضي التنبيه عليه ضرورةُ إعادة النظر في دراسة السيرة النبوية الشريفة وتعاليمها، وذلك أن السيرة النبوية لم تُدوَّن إلا بعد حقبةٍ من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجاءت سيرة ابن إسحاق بعد ما يناهز المئة والخمسين عاماً، وقد تُرِكَ أصلها الأول. ويُذكر أن ابن هشام، الذي هذّبها واختصرها، قد صرّح بتركهِ ما قد «تنفره العامة»، مما يفتح الباب أمام إشكالية الانتقائية في التدوين، لا سيما مع ما يُطرح من اختلاف في الانتماء المذهبي بين المؤلف الأصيل والمهذِّب.
وعليه، يتأكد وجوب دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفق التعاليم القرآنية التي صرّحت بكون بعثته رحمةً وتعليماً وتزكيةً وتطهيراً للأمة، فإن الصورة التي يُرادُ إلصاقها بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم اليوم، عبر ربطه بالإرهاب والقتل وسفك الدماء والتكفير والتشدد والتبديع، ومنافاة التقدم والعلم والحياة الإنسانية، لهي صورةٌ مخترعةٌ لا تمتُّ إلى واقعه بصلة، ومقتضى ذلك القولُ بوجود تشويهٍ ممنهجٍ لصورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن الكريم والبعثة النبوية.
دلالات أول الوحي وأزمة القراءة في الأمة
وقد أسلفنا الحديث عن أهمية ما يُصطلح عليه في علم اللسانيات والبحث بـ«الخطاب الأول»، أي دراسة مبتدأ الوحي. فآخر ما نزل من السور هي سورة المائدة، وأما أول ما نزل، فقد وقع فيه الخلاف؛ فقيل سورة الفاتحة، وقيل سورة العلق، وقد نقل السيوطي في ذلك أربعة آراء. بيد أن الرأي شبه المجمع عليه هو أن أول ما نزل هو الآيات الخمس الأولى من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ [العلق: 1-5].
إن مبتدأ الخطاب الإلهي، شأنه شأن أي خطاب تأسيسي كسفيرٍ يقدّم أوراق اعتماده، يكشف عن الفلسفة العامة للرسالة برمتها، ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لدراسة هذا المطلع في اللسانيات والبحوث العلمية، إذ يُفترض أن للمخاطِب حكمةً بالغةً في اختياره، فما هي الحكمة الكامنة في هذه الآيات؟ إن أقل ما يُستفاد من ذلك هو أن هذه الأمة قد وُصِفَت بـ«أمة اقرأ».
ولكن، ويا للأسف، هل حال الأمة اليوم يصدّق هذا الوصف؟ فالواقع يشير إلى أنها «أمة اقرأ» التي لا تقرأ، وإن قرأت فربما قرأت ما لا ينفع، وإن قرأت النافع لم تفهم، وإن فهمت لم تطبّق، أو اكتفت باليسير، فقليلٌ من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من يهتم اليوم بالقراءة الحقيقية المنتجة.
انحراف البوصلة في إحياء ذكرى المبعث
ومما يبعث على الأسف أن مناسبة المبعث النبوي، التي ينبغي أن تكون محطّ احتفاءٍ وتدارسٍ لفلسفتها العميقة – كما فعل السيد الشهيد الصدر قدس سره في إحدى خطب صلاة الجمعة – قد حُيِّدَت عن مسارها الأصيل. فإلى أين تتجه بوصلة الاهتمام عند شطرٍ من الأمة في ذكرى المبعث؟ نجد أن الاهتمام ينصرف نحو مناسبة الإسراء والمعراج، وإذا سألت عن العلة، قد يأتيك جوابٌ بأن المقصود هو «بعث الأرواح» بزيارة القبور، مع أن الباحث في النصوص لا يكاد يجد دليلاً يخصّ هذا اليوم بزيارة القبور على وجه التحديد، بل إن بعض المعتقدات المتداولة، كضرورة الخروج فجراً لزيارة المراقد في هذا اليوم، تفتقر إلى مستندٍ شرعيٍّ واضح، وهنا يبرز التساؤل عن دور المؤسسة الدينية، الحوزة العلمية التي ناهز عمرها الألف عام، في تصحيح هذه المفاهيم، إن ملايين من الناس بين ظهرانينا قد يتبنّون ممارسات لا تستند إلى دليلٍ متين، ومع التسليم بمشروعية أصل زيارة القبور، يبقى السؤال المنهجي مطروحاً: هل ثمة ترابطٌ موضوعيٌّ بين حقيقة المبعث النبوي، بما هو ثورةٌ علمية ومعرفية، وبين تجمّع الآلاف لزيارة القبور في هذا اليوم بالذات؟ إن غياب هذا الترابط يشير إلى وجود حالة من التخلف في الوعي الديني. وقد يثير هذا النقد حفيظة البعض، ولكنها، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام، «شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ».
المصدر:
كتاب محاضرات في فلسفة الدين
الشيخ عبد الحكيم الخزاعي
مركز الإمام الصادق عليه السلام للدراسات والبحوث الإسلامية التخصّصية