الكلام عن يوشع بن نون لم يكن كافياً في المنشور السابق ففي جوانب حياته الكثير مما يخبرك عن التشابه الكبير بين علاقته بالنبي موسى (عليه السلام) وكيف يربى الأنبياء أوصيائهم بأمر السماء وما هي مواصفات الوصي وإن الأمر ليس اعتباطياً وكيف سيكون حال الأمة لو التزمت بالوصاية، لذا نكمل بالحديث عن يوشع بن نون في جوانب أخرى لم نذكرها في المنشور السابق أو ذكرناها مختصرة.
النصوص التوراتية محل البحث:
1- ” لان الرب قال لهم انهم يموتون في البرية فلم يبق منهم انسان الا كالب بن يفنة ويشوع بن نون” (التوراة-سفر العدد-الإصحاح 26-65).
وكان يشوع- يوشع بن نون- ممثل الجرشونيين وهم حملة المسكن.
ويقول اليهود في كتابهم التوراة: إنه قد مات في زمن التيه كل من كان بالغاً وقت نكولهم، ولم يدخل الأرض المقدسة منهم سوى يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما -فيما قيل- اللذان قال الله عنهم: قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ [ المائدة:23].
” قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ” وهذا نكول منهم عن الجهاد ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء ويقال إنهم لما نكلوا عن الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر سجد موسى وهرون – عليهما السلام – قدام ملا من بني إسرائيل إعظاما لما هموا به وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما ولاما قومهما على ذلك فيقال إنهم رجموهما وجرى أمر عظيم وخطر جليل” (تفسير أبن كثير ج2 ص40).
2- ” وَيُكَلِّمُ الرَّبُّ مُوسَى وَجْهًا لِوَجْهٍ، كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ. وَإِذَا رَجَعَ مُوسَى إِلَى الْمَحَلَّةِ كَانَ خَادِمُهُ يَشُوعُ بْنُ نُونَ الْغُلاَمُ، لاَ يَبْرَحُ مِنْ دَاخِلِ الْخَيْمَةِ”. (التوراة- سفر الخروج-الإصحاح 33-11).
3- ” كَانَ يَشُوعُ بْنُ نُونٍ رَجُلَ بَأْسٍ فِي الْحُرُوبِ، خَلِيفَةَ مُوسَى فِي النُّبُوءَاتِ.
وَكَانَ كَاسْمِهِ عَظِيمًا فِي خَلاَصِ مُخْتَارِيهِ، شَدِيدَ الاِنْتِقَامِ عَلَى الأَعْدَاءِ الْمُقَاوِمِينَ، لِكَيْ يُوَرِّثَ إِسْرَائِيلَ.
مَا أَعْظَمَ مَجْدَهُ عِنْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ، وَتَسْدِيدِ حَرْبَتِهِ عَلَى الْمُدُنِ.
مَنْ قَامَ نَظِيرَهُ مِنْ قَبْلِهِ؟ إِنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ دَفَعَ إِلَيْهِ الأَعْدَاءَ.
أَلَمْ تَرْجِعِ الشَّمْسُ إِلَى الْوَرَاءِ عَلَى يَدِهِ، وَصَارَ الْيَوْمُ نَحْوًا مِنْ يَوْمَيْنِ؟
دَعَا الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ إِذْ كَانَ يَهْزِمُ الأَعْدَاءَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ بِحِجَارَةِ بَرَدٍ عَظِيمَةِ الثِّقَلِ.
أَغَارَ عَلَى الأُمَّةِ بِالْقِتَالِ، وَفِي الْمُنْهَبَطِ أَهْلَكَ الْمُقَاوِمِينَ،
لِكَيْ تَعْرِفَ الأُمَمُ كَمَالَ عُدَّتِهِمْ، وَأَنَّ حَرْبَهُ أَمَامَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ مُنْقَادٌ لِلْقَدِيرِ.
وَفِي أَيَّامِ مُوسَى صَنَعَ رَحْمَةً، هُوَ وَكَالِبُ بْنُ يَفُنَّا، إِذْ قَامَا عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَدَّا الشَّعْبَ عَنِ الْخَطِيئَةِ، وَسَكَّنَا تَذَمُّرَ السُّوءِ.
وَهُمَا وَحْدَهُمَا أُبْقِيَا مِنَ السِّتِّ مِئَةَ أَلْفِ رَاجِلٍ، لِيُدْخِلاَهُمْ إِلَى الْمِيرَاثِ، إِلَى أَرْضٍ تَدُرُّ لَبَنًا وَعَسَلًا.
وَأَتَى الرَّبُّ كَالِبَ قُوَّةً، وَبَقِيَتْ مَعَهُ إِلَى شَيْخُوخَتِهِ؛ فَصَعِدَ إِلَى ذلِكَ الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ مِنَ الأَرْضِ، الَّذِي نَالَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ مِيرَاثًا،
لِكَيْ يَعْلَمَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ الاِنْقِيَادَ لِلرَّبِّ حَسَنٌ.
وَالْقُضَاةُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِاسْمِهِ، الَّذِينَ لَمْ تَزْنِ قُلُوبُهُمْ عَلَى الرَّبِّ، وَلَمْ يَرْتَدُّوا عَنْهُ.
لِيَكُنْ ذِكْرُهُمْ مُبَارَكًا، وَلْتُزْهِرْ عِظَامُهُمْ مِنْ مَوَاضِعِهَا.
وَلْيَتَجَدَّدِ اسْمُهُمْ، وَلِيُمَجِّدْهُمْ بَنُوهُمْ” (التوراة-سفر يشوع بن سيراخ-الإصحاح 46-من 1-15).
ويشوع كلمة عبرية بمعنى “يهوه خلاص” أو “خلاص الله”، أما يشوع بن سيراخ فهو أحد حكماء اليهود ممن درسوا التوراة واختبروا الحكمة فكتب فيها. وقد قيل عنه أنه يشوع ابن سيراخ بن سمعون (=كتاب مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة ص236). وقد كان كاتبًا مشهورًا مات أثناء السبي في بابل ودُفِنَ هناك.
4- ” ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا:
«أَرْسِلْ رِجَالًا لِيَتَجَسَّسُوا أَرْضَ كَنْعَانَ الَّتِي أَنَا مُعْطِيهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. رَجُلًا وَاحِدًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ آبَائِهِ تُرْسِلُونَ. كُلُّ وَاحِدٍ رَئِيسٌ فِيهِمْ».
صبري الناصري, [09/07/2023 02:42 م]
فَأَرْسَلَهُمْ مُوسَى مِنْ بَرِّيَّةِ فَارَانَ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ. كُلُّهُمْ رِجَالٌ هُمْ رُؤَسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ،
وَهذِهِ أَسْمَاؤُهُمْ: مِنْ سِبْطِ رَأُوبَيْنَ شَمُّوعُ بْنُ زَكُّورَ.
مِنْ سِبْطِ شِمْعُونَ شَافَاطُ ابْنُ حُورِي.
مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا كَالِبُ بْنُ يَفُنَّةَ.
مِنْ سِبْطِ يَسَّاكَرَ يَجْآلُ بْنُ يُوسُفَ.
مِنْ سِبْطِ أَفْرَايِمَ هُوشَعُ بْنُ نُونَ.
مِنْ سِبْطِ بَنْيَامِينَ فَلْطِي بْنُ رَافُو.
مِنْ سِبْطِ زَبُولُونَ جَدِّيئِيلُ بْنُ سُودِي.
مِنْ سِبْطِ يُوسُفَ: مِنْ سِبْطِ مَنَسَّى جِدِّي بْنُ سُوسِي.
مِنْ سِبْطِ دَانَ عَمِّيئِيلُ بْنُ جَمَلِّي.
مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ سَتُورُ بْنُ مِيخَائِيلَ.
مِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي نَحْبِي بْنُ وَفْسِي.
مِنْ سِبْطِ جَادَ جَأُوئِيلُ بْنُ مَاكِي.
هذِهِ أَسْمَاءُ الرِّجَالِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ مُوسَى لِيَتَجَسَّسُوا الأَرْضَ. وَدَعَا مُوسَى هُوشَعَ بْنَ نُونَ «يَشُوعَ»”. (التوراة-سفر العدد- الإصحاح 13- من 1- 16).
5- ” حِينَئِذٍ كَلَّمَ يَشُوعُ الرَّبَّ، يَوْمَ أَسْلَمَ الرَّبُّ الأَمُورِيِّينَ أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ أَمَامَ عُيُونِ إِسْرَائِيلَ: «يَا شَمْسُ دُومِي عَلَى جِبْعُونَ، وَيَا قَمَرُ عَلَى وَادِي أَيَّلُونَ».
فَدَامَتِ الشَّمْسُ وَوَقَفَ الْقَمَرُ حَتَّى انْتَقَمَ الشَّعْبُ مِنْ أَعْدَائِهِ. أَلَيْسَ هذَا مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ يَاشَرَ؟ فَوَقَفَتِ الشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَلَمْ تَعْجَلْ لِلْغُرُوبِ نَحْوَ يَوْمٍ كَامِل”. (التوراة-سفر يشوع- الإصحاح 11-من 12 إلى 13).
وسفر يشوع هو سفر كامل في التوراة مكون من 24 إصحاحاً يتحدث عن مرحلة ما بعد موسى (عليه السلام) ويبدأ بقوله: ” وكان بعد موت موسى عبد الرب ان الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلا” (التوراة-سفر يشوع- الإصحاح 1- 1).
مناقشة النصوص باختصار:
1- واضح من النصوص أعلاه مكانة يوشع بن نون وعلاقته بموسى (عليه السلام) والأدوار التي أوكلت له وهي تشابه بشكل كبير الأدوار التي أوكلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) من قبل النبي (صلى الله عليه وآله).
2- من النص الأول تتضح منزلة يوشع بن نون وقومه وقربهم من موسى (عليه السلام) وداره وهذا مشابه لما حصل مع أمير المؤمنين (عليه السلام) وخصوصية يوشع بأنه هو الوحيد مع كالب بن يوفنا وتأييد القرآن الكريم لذلك بحسب التفاسير.
3- من النص الثاني عبر عن يوشع بن نون بأنه خادم موسى (عليه السلام) -وتكرر ذلك في أكثر من نص في التوراة-وبأنه غلام مما يدل على علاقته منذ الطفولة بموسى (عليه السلام) والتشابه بينه وبين وضع أمير المؤمنين (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوضح من أن يُذكر.
4- أما النص الثالث فلوضوحه لا يحتاج إلى تعليق فكأنه يصف علياً!
5- أما النص الرابع فإنه يتكلم عن قيادة يوشع بن نون للقوات التي أرسلت لاستخبار معلومات عن الأرض التي ينوي بني إسرائيل مهاجمتها وكان عددهم 12 شخص ويذكر إن ليوشع بن نون وقومه 12 مزموراً وتكرار رقم 12 يذكر بوضوح بالأئمة الاثني عشر.
6- في النص الرابع أيضاً ورد اسمه يشوع باسم “هوشع” وتقول تفسيرات أهل الكتاب بأن هوشع هو اسمه ولكن موسى (عليه السلام) غيره إلى يوشع ويربطونه بحسب معناه – ويشوع كلمة عبرية بمعنى “يهوه خلاص” أو “خلاص الله”- بـ “يسوع” كمخلص.
7- في النص الخامس يتحدث عن معجزة رد الشمس له والنصوص الإسلامية تؤكد ذلك أيضاً ونسبة رد الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام) مشتهرة وواضحة.
8- في سفر يشوع تفاصيل كثيرة عما فعله يوشع بن نون (عليه السلام) بعد موسى (عليه السلام).
إذا ربطنا كل ما سابق بما ذكرناه سابقاً بالنصوص من طريقة نقل الوصاية ليوشع بن نون تتضح موارد التشابه بدقة.
رشيد السراي