(إنا لله وإنا اليه راجعون)
أَلا أَيُّها المَوتُ الَّذي لَيسَ تارِكي
أَرِحني فَقَد أَفنَيتَ كُلَّ خَليلِ
أَراكَ مُضِراً بِالَّذينَ أَحبُّهُم
كَأَنَّكَ تَنحـو نَحـوَهُم بدَليلِ
فجعنا صباح يوم أمس برحيل أخ عالم صادق مؤمن ورع مجاهد غيور خلوق نبيل ذي عزة نفس وإباء في الله ورسوله وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين، فضيلة الشيخ أحمد جعفر، والذي يحلو له أن يلقّب بـ (الفاطمي) حباً بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها.
أخي … يعتصر القلم بيدي منذ البارحة، وقد جمد مداده بعد أن (جرتِ الدُّموعُ منَ العيونِ تفجُّعاً لحنينها فكأنهنَّ عيونُ) فتنحّى قلمي ليرى ما السرّ والحبّ في هذا الفقيد.
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، فقد جرى المكتوب، ونزل القضاء ونحن لأمر ربنا طائعين مسلّمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
– كان أخي مخلصاً باذلاً نفسه في طاعة الله ورسوله، مجاهداً في طلب العلم، واثقاً من نفسه لذا أختط لنفسه طريقاً نيّراً في طلب العلم فأقتطف من علوم أهل البيت عليهم السلام قطفا وفيراً، ونوّع في ذلك، وجمع معه العلم الأكاديمي وكان قاب قوسين أو أدنى من نيل أطروحة الدكتوراه في علوم القرآن والحديث في كلية الفقه: جامعة الكوفة، وكذا في البعد الحوزوي اختص بالقرآن ودرس ودرّس علومه واحكامه ومناهج تفسيره، فتلذّذ بذلك وصار نبراسا لأخوته وزملائه وطلبته ومحبيه حيث تفتقر الحوزة لمثل هذه التخصصات التي هي أساس الدين وأصوله.
– عُرف أخي بالبعد الأخلاقي الملكوتي الذي اقتبسه من أئمته وقادته المعصومين (عليهم السلام) فكانت الابتسامة لا تفارق محياه، وطيبة القلب هي عنوانه ومناه، رؤوف بأخوته، وودود بهم، وكريم بحضرتهم، يفتقدهم ويذكرهم باحترام واجلال وان غابوا، ينطق لسانه بالحكمة والمعاني السامية ، عفيف بامتياز ، يترك بصمة حب أينما ذهب، وكأنه يجسّد مقولة إمامه أمير المؤمنين عليه السلام: (خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ)
– وكان صبوراً قوياً في ذات الله، لا يخشى فيه لومة لائم، و لا يجامل على الحق، منصفاً حتى لمن يخالفه، واثقاً بالله تعالى ومسلماً لأمره مهما اشتدت الظروف عليه وقست، لم تغره الدنيا بتقلباتها وزينتها فبقى صابرا في طلب العلم والجهاد في سبيله وكانت لذته ومناه في ذلك.
– كان محبّاً للخير معيناً للضعفاء والفقراء مسارعاً في وجوه الطاعة والبر، بصيراً في أموره حتى بعد موته وهو ما لاحظته في وصيّته، مهّد لآخرته ليقرّ عيناً باللقاء.
– له سرٌ مع الله، وليس بعزيز، فمن اخلص واصدق نيته وعمله خصّه الله بخصيصته وأناله رعايته ولطفه.
– شاء الله تعالى أن يبتليه بالمرض الشديد حتى ذبل جسده والتصق اللحم بالعظم ـ ولا أنسى تقلبه على المغتسل وهو يوحّد الله في تسليمه وانقياده ـ وهو محتسب كلّ ذلك بين يدي الله، ليعظم أجره، ويُعلي مكانته، ويختصه لنفسه، فيلتحق بعشقه ومحبوبه مسلماً الأمر له.
نعم هذه نهاية الصالحين فما أقصر ما يبقون في الأرض، وكأنهم نصيب السماء، فيخترمهم الموت في لحظات، مسرعين ملبّين لله النداء: (يمزج الحلم بالعلم، والعقل بالصبر، تراه بعيداً كسله، دائماً نشاطه، قريبا أمله، قليلاً زللـه، متوقعا لأجله، خاشعاً قلبه، ذاكراً ربه، قانعة نفسه، منفياً جهله، سهلاً أمره، حزيناً لذنبه، كظوما غيظه، صافياً خلقه، قانعا بالذي قدر له، متينا صبره، محكما أمره، كثيرا ذكره، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، ويسأل ليفهم…
نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، فأراح الناس من نفسه).
– ولا يزال قلمي عصياً عليّ يتقاطر مداده في أناة، مع أنه رأى العين قد اعتصرت وكفكفت دمعها وسلمت أمرها لله تعالى.
سلام عليك أيّها الأخ النجيب وهنيئاً لك المجاورة والقرب مع أوليائك ومواليك، فالموت حقّ، وقد وفدت على الله الكريم وانت تلهج بما لهج به سلمان المحمدي (رضوان الله عليه).
وفدت على الكريم بغير زادٍ
من الحسنات والقلب السليم
وحملُ الزاد أقبحُ كل شيء
إذا كٰـان الوفـود على الكـريم
اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وأصعد إليك روحه، ولقه منك رضواناً، واسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك
الشيخ ميثم الفريجي
4 رجب الأصب 1444
النجف الأشرف
يمكنك الاشتراك أيضا على قناتنا في منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية