من سنين وأنا والعديد من العلماء والمفكرين والأدباء والمبدعين نكتب أرقى وأعمق المقالات في مختلف الجوانب، التي من شأنها رفع مستوى الثقافة والوعي عند المخاطبين والقراء.
وعلى الرغم من كون عدد أصدقاء الفيسبوك _والتلجرام مضافاً إلى الانستغرام والواتساب _ قارب الخمسة آلاف صديق إلا أننا لا نجد تفاعلاً واضحاً من قبل كل هؤلاء الذين تنطبق عليهم مقولة (أسمع جعجعة ولا أرى طحناً).
فتسألت مراراً هل السبب هو طبيعة ما نكتب أم طبيعة ثقافة وفكر الناس والقالب السايكلوجي الذي يحركهم ؟
ووجدت الإجابة المريرة أن المشكلة أن الناس لا تقرأ ولا تحب أن تقرأ. وأنها تتفاعل مع الصورة أكثر من تفاعلها مع الكلمة. وتستهويها اللقطات التافهة أكثر من اللقطات ذات الدلالة.
وبدأت لا أستغرب تفاعل الناس مع ابني الذي نشر مقطعاً لقطة صغيرة وهي تلعب، فجاءت نسبة المشاهدة عشرات الآلاف، بينما لا أجد إلا مشاهدات قليلة لمحاضرة فكرية مهمة وعميقة ألقيها أنا الأب، فأدركت حقاً بأننا نعيش في عصر التفاهة.
في هذا الإطار استذكرت ما قرأته يوماً من الأيام أنه
سأل صحفي الكاتب المصري المعروف “ﻋﺒﺎﺱ محمود ﺍﻟﻌﻘﺎد: ” من منكما أكثر شهرة، أنت أم ﺷﻜﻮﻛﻮ؟!” و شكوكو مهرج مصري هزلي شهير، كان يرتدي ثياب المهرجين لإضحاك الناس
فردّ عليه العقاد بإﺳﺘﻐﺮﺍﺏ: “مين ﺷﻜﻮﻛﻮ دا؟”!
عندما وصل خبر هذه المحادثة ﻟﺸﻜﻮﻛﻮ، قال للصحفي: ” قل لصاحبك العقاد ﻳﻨﺰﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ، ويقف على أحد الأرصفة وسأقف أنا على الرﺻﻴﻒ المقابل، ﻭﻧﺸﻮﻑ اﻟﻨﺎﺱ (هتتجمع) ﻋﻠﻰ ﻣﻴﻦ..؟!”.
وهنا ردّ العقاد: “قولوا ﻟﺸﻜﻮﻛﻮ ﻳﻨﺰﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﻭﻳﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺭﺻﻴﻒ ﻭﻳﺨﻠﻲ «ﺭﻗّﺎﺻﺔ» ﺗﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺻﻴﻒ الثاﻧﻲ ﻭﻳﺸﻮﻑ ﺍﻟﻨﺎﺱ (هتتجمع) على مين أﻛﺘﺮ.؟!.”
إن ميل الناس إلى السذاجة والتهريج والسطحية ليس جديداً، فثمة انتقادات لهذا الميل العجيب المتدني منذ زمن سقراط، لكنه للأمانة لم يحقق انتصاراً ساحقاً وواضحاً إلا في عصرنا الحالي.
في كتاب (نظام التفاهة) للكندي يخلُص فيه إلى أن التافهين قد حسموا المعركة لصالحهم في هذه الأيام، لقد أمسكوا بكل شيء بكل تفاهتهم وفسادهم، فعند غياب القِيم والمبادئ الراقية وإفسادها يطفو الفساد المبرمج ذوقًا وأخلاقًا وقِيما!
آية الله العلامة السيد فاضل الجابري
النجف الأشرف
يمكنك الاشتراك أيضا على قناتنا في منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية