وهذا الشخص هو المجتهد الذي أخذ على عاتقة استخلاص الأحكام من مصادرها وتبيانها للمؤمنين.
_ إشكال: أن الاجتهاد وكذلك التقليد لم يكونا في عصر المعصومين ولا بعدهم. وإنما استحدثاً قبل مائة وخمسين عاماً.
ج – إن باب الاجتهاد كان مفتوحاً منذ عصر النبوة بين الصحابة, فكان الصحابي تارة يروي نفس ألفاظ الحديث للسامع فهو راوٍ مُحَدّث. وتارة أخرى يذكر الحكم الذي استفاده من الحديث حسب نظره واجتهاده فهو في هذه الحالة مفتٍ وصاحب رأي وأهل هذه الملكة. هم المجتهدون وسائر المسلمين الذين أخذوا برأيه هم المقلدون.
فقد بدأ الاجتهاد بصورة أولية منذ عهد الأئمة الأولين بين أصحابهم المنتشرين في الآفاق، واتسع نطاق حركة الاجتهاد بصورتها الأولية البسيطة منذ عهد الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).
فمع أن الأئمة كانوا يرجعون الناس إلى رواة الحديث، وهذا يعني أن المرجع في معرفة الحكم الشرعي كان النص الخاص بكل مسألة، إلا أنهم في حالات أخرى، كانوا يرجعون الناس إلى فقهاء أصحابهم لا باعتبارهم رواة نقلة للحديث. وإنما باعتبارهم فقهاء يستنبطون الأحكام من الأدلة.
فقد كان الأئمة (عليهم السلام) يمهدون أرضية العمل بالاجتهاد ويؤكدون لأعلام شيعتهم على الإكثار من البحث في أمهات المسائل العلمية. وذلك كما في رواية موسى بن بكر (قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يغمى عليه يوماً أو يومين، أو الثلاثة، أو الأربعة، أو الأكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟. قال عليه السلام: ألا أخبرك بما يجمع لك هذه الأشياء؟ كل ما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده، هذا من الأبواب التي يفتح كل باب منها ألف باب). وأيضاً روي عن الامام الصادق (عليه السلام) وكذلك عن الإمام الرضا (عليه السلام) وبلفظ متقارب، أنهما قالا:( علينا إلقاء الأصول وعليكم بالتفريع). فطلب الأئمة (عليهم السلام) من أصحابهم بتفريع الفروع على الأصول التي يتلقونها منهم من أهم ملامح وجود الاجتهاد وتمهيد الأئمة لتركيزه وتوسيعه.
الدين لا يصاب بالعقول
إشكال: إن دين الله لا يصاب بالعقول كما هو بديهي ومتفق عليه لدى الجميع، فكيف تقولون: (ما حكم به العقل حكم به الشرع)؟ أليس هو تهافت واضح.
ج: (ما حكم به العقل حكم به الشرع) خاص بالمستقلات العقلية كحسن العدل وقبح الظلم، وليس عن الأحكام الشرعية الفرعية المتكاثرة، ودين الله لا يصاب بالعقول يراد به الأحكام الفرعية لا المستقلات العقلية، وإلا لورد عليكم النقض برواية الإمام الكاظم (عليه السلام): ((إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَينِ حُجَّةً ظَاهِرَةً وحُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِياءُ وَالْأَئِمَّةُ (عليهم السلام) وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُول)) فإذا كان دين الله لا يصاب بالعقول فكيف يقول الإمام (عليه السلام) ان لله حجتين؟ وكيف يجعل حجية العقل إلى جوار حجية الشرع تماماً.
رجوع الجاهل إلى العالم
إشكال: قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم كرجوع المريض إلى الطبيب هي قاعدة عقلية صحيحة. لكن نختلف في مصداق الجاهل والعالم. فالعالم في الدين هو العالم المطلق أو المتصل بالعالم المطلق (وهو الله سبحانه وخلفاءه المنصوبين) لضمان النجاة 100% أما من يحتمل الخطأ في الرجوع إليه. وفي أمر لا يمكن الصبر على عواقبه مثل أمر الدين فالعقل يحكم بحرمته لدفع الضرر المحتمل.
ج:إن التقليد الذي نبحث عن حجيته هو رجوع الجاهل الى المجتهد العالم بالحكم، وهذا ما ندعي وجوبه على المكلف، بينما التقليد الذي هو من قبيل رجوع الجاهل إلى جاهل، هو مذموم باتفاق العقل والنقل. فالعقل يرى أن الإتباع والانقياد لكل أحد قبيح فالأتباع الأعمى غير مستحسن عند جميع العقلاء.
أما إذا كان للتقليد جهة عقلائية فيخرج من كونه مذموماً عند العقلاء فأنه ليس بتقليد أعمى لأن الجهة المرجحة التي يخضع لها العقل تخرجه عن دائرة الذم والقبح وتدخله في إطار المدح والحسن. وخير مرشد لذلك سيرة العقلاء في جميع أمورهم وشؤونهم على مر الدهور.
مضافاً إلى أن العقل والنقل متفقان على معذورية الجاهل بالحكم إذا كان جهله عن قصور لا عن تقصير. قال تعالى: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء: 17] وقوله { مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الأنعام: 54].
يتبع إن شاء الله
يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية