كتب الشيخ عبد الهادي الزيدي.. ضرورة وقاية النفس والأهل مما يوجب النار.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) سورة التحريم الآية (٦).
هذا الخطاب كما أن هناك خطابات عديدة في القرآن الكريم موجهة للمؤمنين، وإذا كان الخطاب القرآني موجه للمؤمنين فعلى المؤمنين أن يلبوا. وكما ورد في الروايات في الاستحباب عند المرور على هذا الخطاب تقول: (لبيك وسعديك). أي أن الله سبحانه وتعالى عندما يخاطب الناس وعندما يخاطب المؤمنين فالإنسان عليه أن يستجيب.
وهذه التلبية ليست بمعنى لقلقة اللسان، كما قد يفهم البعض أنه عندما يمر على قوله تعالى هنا (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم). يقول: لبيك، لكنها على مستوى اللسان فقط وعلى أرض الواقع لم نجد شيئاً من هذه التلبية، وهذه مشكلة يجب أخذها بنظر الاعتبار.
فالخطاب عندما يوجه للمؤمنين وعلى حد تعبيرهم الفعل قوا من الوقاية وصيغة الأمر ظاهرة بالوجوب (كما يعبرون)، فالله سبحانه وتعالى عندما يخاطب المؤمن وعندما يخاطب المجتمع المؤمن يريد أن يحقق المجتمع هذا الأمر الذي أراده الله. وهنا أمر الله أن يجب على المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأن لا يتوقفوا على أنفسهم وأنما وأهليكم.
هنا بودي أن أشير إلى معاني مهمة، إلى هذه الآية كثيراً ما نمر عليها ونقرأها لكن كحال الآيات الأخرى والقرآن برمته. لأن تفعيله على أرض الواقع ليس بالمستوى المطلوب وعندما يقول: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم…) من ماذا؟ الجواب: طبعاً من نار.
فقضيتين رئيسيتين:
المقدمة الأولى: قضية الوقاية
المقدمة الثانية: قضية نار وقودها الناس والحجارة
ومسألة أن الله سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يقوا أنفسهم ويقوا أهليهم، هذا الفعل من الأصل (وقى – يقي) الوقاية هي الحذر والاحتراز. ولذلك يقال مثل معروف الوقاية خير من العلاج أي الحذر، وكذلك الاتقاء قادم من الأصل نفسه. فالحذر والاحتراز من الوقوع في الشرك.
فعندما نقول: يتقي الله أي بمعنى أنه يأخذ بنظر الاعتبار الحذر من كل ما يغضب رب العالمين. وبالنتيجة هذا يكون بمعنى التقوى التحرز من الوقوع في المحذورات والانسجام مع نواهي وأوامر الله سبحانه.
الوقاية في موارد متعددة وفي كثير من الجوانب، أنه الإنسان يتقي الله بمعنى:
١. يتبع وينسجم مع الأوامر الإلهية
٢. الإبتعاد عن المعاصي
٣. الوقاية من الأمراض ومن كل شيء والعاقل من يتعامل مع هذا الأمر على أساس الجدية ونحن قلنا في خطبة الجمعة الماضية: لماذا لم يستمع الناس لكلام أمير المؤمنين (عليه السلام)؟
والجواب: بسبب عدم وجود يقين لدى الناس بالنتائج والآثار التي تترتب على كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وقلنا في الطرف الآخر أن لا يوجد عاقل يمكن أن يلقي بنفسه من شاهق، ولا يوجد عاقل يأتي على أي شيء مؤذي ويقبل عليه، لماذا ؟
الجواب لأن عنده يقين بهذه النتائج، ولذلك يتقي هذه الشرور ويحذر منها ويبتعد عنها، فالإنسان العاقل يتقي كل ما فيه الأخطار، هذا على مستوى النفس فقط الله سبحانه أراد من الإنسان المؤمن أن لا يتوقف عند هذا الأمر عند مستوى النفس فقط وإنما (أنفسكم وأهليكم). هذه هي المقدمة الأولى.
المقدمة الثانية: نار وقودها الناس والحجارة
هذه الوقاية كل شر وكل ما يؤذي الإنسان فهو في مقام النار، والنار لها أكثر من معنى متعدد حيث هذه اللفظة وردت في آيات كثيرة لكن لا يُعنى بها بالضرورة إلا النار الأخروية (نار جهنم)
المعنى الأول للنار : قضية كتم الشهادة
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّار) (سورة البقرة) (الآية ١٧٤)
فظاهراً هو يأكل هذا الطعام الإعتيادي، أو على تعبير الروايات ومنها رواية الإمام الباقر (عليه السلام): الأجور التي يأخذونها في مقابل تضييع حق محمد وآل محمد، فبالنتيجة هذه أموال وطعام ولكن القرآن الكريم ماذا يقول: ما يأكلون في بطونهم إلا النار، هذا معنى
المعنى الثاني للنار: أكل مال اليتيم
قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)
سورة النساء الآية (١٠)
وهنا فرق بين النار والسعير، ولعل البعض يتصور أن الحالة واحدة، إذاً هذا كمثال.
مفهوم النار له أكثر من معنى وله أكثر من مدلول بحسب ما يأتي ونحن لا نستطيع أن نستقصي كل المعاني في هذه الخطبة المقتضبة والمختصرة لكن كأشارة إلى هذا المعنى. لأنه هناك أكثر من معنى للنار فأذاً عندما نريد القول تطبيق هذه الآية المباركة (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة). فعندما أريد أن أقي نفسي وأهلي من النار (من كل نارٍ) لا على مستوى فقط.
النار الأخروية، فعندما أريد أن أقيهم عن أكل مال اليتيم كمثال أو أن لا يكتموا الشهادة لآل محمد. وهذا مثال ثاني وغيرها من الأمور.
إذاً واحدة من أهم القضايا التي الآن نعيشها ومعاصرين لها (قوا أنفسكم وأهليكم..). أن الإنسان لا يتوقف عند نفسه وعليه أن لا يتحجج ويقول أن هناك آية تقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) سورة المائدة الآية (١٠٥)
وينتهي الحال، لا
والسؤال : هل لهذا الكلام مصاديق؟
الجواب: نحن أكثر من مرة كررنا ولا زلنا نكرر بأن القرآن فيه قاعدة الجري وقاعدة الجري تعني أن القرآن الكريم ينطبق في كل زمان وفي كل جيل ولكل جيل يعطي معنى. فعندما نريد أن نتعامل مع القرآن ونقرأه نريد أن نعرف ماهي مصاديقه الآن. واحدة من مصاديقه الآن أن العراق مقبل بعد أيام قليلة منعطف مهم ومنعطف خطير ألا وهي الإنتخابات وهذا المسألة لا يتصور أحد أن يقول: هذه سياسة والسياسة هي لأناس ليسوا صالحين. لا، هذه كلها حجج واهية وهذه التصورات وهذه الترهات التي يلقونها على مسامع أتباع القيادة الواعية ما هي إلا ليثبطوا عزائمكم وحتى يبعدوكم عن الحق. وبالنتيجة يبقون هم يسرحون ويمرحون في هذا المجال.
إذاً عندما نقول: (قوا أنفسكم وأهليكم…) هذه الأية ويأتيك المرجف ويقول : (عليكم أنفسكم..) تأتي الآن وتسمع كلمات من هنا وهناك.وتقول له: أنت يجب عليك أن تؤدي دورك والآية الأولى تقول : (قوا أنفسكم وأهليكم..) والقضية غير متوقفة عندك، فيجيبك: لا، أنا علي بنفسي فقط وإنتهى الحال.
أو البعض يريد يطبق هذه الآية بشكل آخر ويقول : أنا وأهلي (المقصود عائلتلي) عائلتي هم أهلي، لا، القضية ليست بهذا المعنى. فعندما يقول : (قوا أنفسكم وأهليكم) فأنه لا يقصد أنت وزوجتك وإنتهى الحال، وقد تتوقف عند هذا المجال، لا القضية أوسع من هذا.
إن الأهل في الآية السابقة له معنى أوسع من هذا، فإذا علمت وكنت عالماً بوجود الخطر المترتب على تقاعس الأمة. في حال تقاعست الأمة ماذا سيحصل وكيف ستكون ستكون النتيجة؟.
والجواب: النتيجة أنهم سوف يعيثون في الأرض فساداً، وأنت تعلم ولا يوجد في العراق الآن أحداً لا يعلم نتائج وصول الناس الفاسدة، وهل يوجد أحد الآن لا يستشعر نتائج هذه القضية. إذا لم يكن هو قد لمسها بنفسه وذكرنا نحن أكثر من مرة وقلنا ماهي نتائج تصدي الناس الفاسدة. فلا يمكن لأحد أن يقول بأنني لا أعلم أو لا أعرف فالكل تعلم وشاهدة على ما جرى في العراق منذ سقوط النظام في ٢٠٠٣ إلى يومنا هذا. والنتيجة لا يمكن الوقوف عند هذا الحد، ولا يمكن لأي إنسان مؤمن أن يقول : أنا عليّ بنفسي وإنتهى الحال أنا لا علاقة لي.
لا، الله سبحانه وتعالى سوف يحاسبك لأنه هذه الآية الثانية (يا أيه الذين آمنوا عليكم أنفسكم…) هي مرتبة ثانية بعد مرتبة (قوا أنفسكم وأهليكم..)
في حال عدم الإستجابة حال لم يستجب المجتمع لقولك بعد ذلك الله سبحانه وتعالى يريد أن يسلي المؤمن فماذا يقول له؟
يقول له: ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا إهتديتم) يعني أزت أديت الواجب الذي عليك وبعد ذلك لا يضرك هذا الإخفاق الموجود على أرض الواقع. ولكن لا يمكن أن أتعامل مع هذه الآية على أساس أنها هي الإبتداء. لا، وإنما هي تأتي بالمرتبة الثانية بعد (قوا أنفسكم وأهليكم…) هذه ملاحظة مهمة.
وعلينا أن نخرج من إطار أنفسنا إلى إطار أوسع وعلينا أن نوصل. وعلينا أن نحذر المجتمع من الآثار الوخيمة التي يمكن أن تترتب على التقاعس لا سامح الله.
يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية