كتب الشيخ كامل الباهلي:
قبل الخوض في الموضوع لابد من تبيين أن المقصود بالقضية الحسينية هي ذكرى حادثة كربلاء، وليس المقصود حادثة كربلاء نفسها،
لأن حادثة كربلاء ثورة واقعية تشمل قيام الحسين عليه السلام، والظروف المحيطة، وموقف الأمة، وموقف النخبة، وأحداث الكوفة مع مسلم بن عقيل، وأحداث المعركة، وقتل آل بيت النبي وأطفاله، وأحداث مابعد المعركة وسبي نساء النبي صلى الله عليه وآله …. وغيرها من الأحداث التي لا علاقة لها بالعاطفة والشعائر والبكاء، بل إن التكليف فيها هو نصرة الإسلام والوقوف مع إمام الزمان وهو الحسين عليه السلام بوجه الظالم يزيد لعنة الله عليه.
أما ما نريد الحديث عنه هو كيف نحفظ هذه الحادثة ونثبتها في ضمير الأمة وننقلها للأجيال جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة؟
كيف نجعل من معركة الطف مناسبة سنوية يحييها الصغير والكبير، الرجال والنساء، إلى درجة يعطل فيها الناس اعمالهم وتتوقف فيها الحياة، ويلبس الجميع السواد؟.
كيف نظهر القضية الحسينية لجميع شعوب العالم، حتى لا تبقى دولة إلا وتقام فيها مراسيم عاشوراء، وتغص القنوات الفضائية بنقلها؟.
كيف نجمع الملايين من المؤمنين في كربلاء سنويا في يوم عاشوراء، فيركضون ركضة طويريج أمام أنظار العالم وهم يبكون ويصرخون واحسين واحسين؟.
كيف نخرج عشرات الملايين من بيوتهم مشيا على الأقدام، وهم يزحفون من كل حدب وصوب باتجاه نقطة واحدة هي قبر الحسين عليه السلام؟
كيف نجعل القضية الحسينية جزءا من حياة الفرد والمجتمع، حيث لا توجد قرية أو شارع إلا وبنيت فيه (حسينية) وتاسس فيه موكب لذكر حادثة كربلاء الحسين عليه السلام؟
كيف نجعل المؤمنين يبذلون الأموال الطائلة من قوتهم وقوت عيالهم في سبيل خدمة وإدامة القضية الحسينية، فلا يكاد بيت يخلو من إقامة مجلس أو نذر الذبائح، أو طبخ وتقديم الطعام، أو خدمة الزوار،
يقدمون ذلك وهم فرحون و يشعرون بالتقصير مع الحسين عليه السلام؟
كيف أصبح العراقيون على وجه الخصوص مستعدين لاستقبال عشرات الملايين من زوار الحسين عليه السلام من كل بلدان العالم في زيارة الأربعين ، يطعمونهم ويسقونهم ويؤوونهم، من دون أن يسألوهم عن هويتهم ودينهم؟
فهل كانت البحوث والكتب والمؤتمرات والمواعظ وحدها تستطيع أن تفعل ذلك؟
الجواب : كلا
إنها العاطفة، المصيبة، البكاء، القصائد، اللطم، المواكب، المشي، الرايات ….
هذه الممارسات العاطفية هي التي تخلق جو المصيبة العام، الذي يعيشه ويتفاعل معه الجميع،
ألا ترى أنك إذا دخلت مدينة قد علقت الرايات السوداء على البيوت والأعمدة، ونصبت المواكب في الشوارع، وشغلت المرثيات الحسينية في مكبرات الصوت، فإنك تعيش أجواء عاشوراء، وتتفاعل مع المصيبة،
في حين أنك لو دخلت مدينة ليس فيها هذه المظاهر، فإنك لا تشعر بأجواء عاشوراء، ولا تعيش المناسبة،
فما بالك لو بقيت الأجيال جيلا بعد جيل لا ترى هذه المظاهر، فكيف ستكون الأجيال القادمة؟!
من هنا نعتقد أن أهل البيت عليهم السلام هم الذين أسسوا لهذه الطريقة، كي يحفظوا فيها جريمة عاشوراء ومصيبة قتل ابن بنت رسول الله ص، والقضية الحسينية، ويوصلوها إلى الأجيال جيلا بعد جيل.
نعم، الفكر والعلم والموعظة مهمة للحفاظ على الثورة وأهدافها من التحريف والتضييع،
ولكننا نتكلم عن بقاء الذكر للحادثة لمئات السنين، رغم أن السلطات المعادية لأهل البيت ع والعالم كله من ورائهم حاولوا جاهدين طمس هذه الحادثة وحذفها من تاريخ الأمة وتشويهها في الكتب التاريخية، حتى قالوا أن الحسين قتل بسيف جده،
ولكن الشيعة وخصوصا العراقيين دفعوا ملايين الشهداء من أجل إحياء عاشوراء، وزيارة قبر الحسين عليه السلام، وإقامة المجالس الحسينية،
إلى أن خرج نور الحسين عليه السلام إلى كل أنحاء العالم ممزقا كل استار الظلام والتعتيم،
وهاهو قبر الحسين عليه السلام اليوم قبلة لكل المسلمين، حيث يجتمع عنده في زيارة الأربعين عشرات الملايين، مشكلين أكبر تجمع بشري في العالم، ينادون بصوت واحد :
لا يوم كيومك يا أبا عبدالله