مشروع جماعة الفضلاء
من الطبيعي أن تحمل مسؤولية بلد مثل العراق بمكانته الدينية وتاريخه واختلاف مكوناته وكثرة موارده الاقتصادية وحجم التدخلات الخارجية فيه. من الطبيعي أن تحمل مسؤولية قيادته تقع على عاتق المراجع و علماء الدين. لأنهم أحرص الناس على أرواح الأمة ومقدراتها وثرواتها ودينها ونسيجها الاجتماعي.
ولذلك فإن موقف النجف كان متابعاً لأحداث تغيير النظام في العراق وإرهاصات هذا التغيير، وكانت هناك عدة مواقف وخطوات ومشاريع قامت بها مرجعيات النجف. من أجل بناء دولة عادلة تمثل الشعب وتحفظ ثرواته.
ونحن سنحاول ذكر هذه المشاريع والخطوات تباعاً، إن شاء الله تعالى:
وسنبدأ بأهم هذه المشاريع، والذي لو تم لكان رأسها ومحركها، وهو مشروع (جماعة الفضلاء) الذي طرحه المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي دام ظله (عام ٢٠٠٣). والذي تتلخص فكرته بتشكيل لجنة مركزية في النجف الأشرف يكون كل واحد من أعضائها ممثلا عن أحد المرجعيات والعلماء في النجف. وتكون مهمة هذه اللجنة الاهتمام بقضايا العراق المصيرية والكبيرة. وإصدار مواقف موحدة تجاهها، وخصوصاً القضايا السياسية وقيادة البلد، لأن هذه القضايا تهم الجميع ولا تقع على مقلدي مرجع معين دون الآخر. على أن تبقى القضايا الفقهية الفردية خارج هذه اللجنة، فيرجع كل مكلف إلى مرجع تقليده.
وكان من شأن هذا المشروع أن يوحد مواقف العلماء ويزيد من التفاف الأمة حولهم، ويجعل المركزية في قيادة الأمة بدل تمزقها و تشتتها إلى قيادات متعددة متناحرة.
ويقطع الطريق على التدخلات الخارجية. ويدعم الشخصيات والكفاءات العراقية الوطنية في الوصول إلى السلطة، كما يمنع إستعمال الوسائل غير الشرعية كالطائفية. ويحافظ على الهوية والمكتسبات الدينية للمجتمع العراقي، وغير ذلك كثير.
كما أن المشروع تضمن فتح مكاتب فرعية في محافظات العراق لاستقطاب الكفاءات الوطنية وزجها في مشروع قيادة العراق، بدلاً من أن تخطفها الإرادات الخارجية.
إلا أن المؤسف هو عدم تفاعل المرجعيات الأخرى مع هذا المشروع المصيري، وعدم المشاركة فيه، مما أدى إلى أن يولد ميتا، وتذهب معه الآمال بقيادة مركزية للعراق، تضمن استقراره وبناءه.
فكان البديل هي الأحزاب والشخصيات التي كانت خارج البلاد، والتي يرتبط أغلبها بتلك الدول، والذين لا يمتلكون مؤهلات القيادة، فضلا عن فسادهم وعمالتهم.
فدخل العراق في نفق مظلم، ودوامة سياسية مرعبة، أكلت الأخضر واليابس، من الطائفية، والقتل والتفجيرات، والفساد ونهب الخيرات، وتخريب البلاد، وبيع ثرواته، وتعطيل شبابه، وضياع الدولة، وابتلاع مؤسساتها، وتجويع الشعب وظلمه.
وأصبح العراق كعكة سهلة تتقاسمها دول الجوار مع دول الاستكبار، وأضحى الشعب العراقي غريباً في بلده، ضائعاً تائهاً، ينظر إلى وطنه ممزقاً ومباعاً للغرباء،
وليس لهذا الشعب من ملجأ يلجأ إليه، ولا ركن يخلصه من هذه الطغمة الظالمة التي توسعت وتمكنت واستقوت على هذا الشعب المظلوم.
ورغم أن الشيخ اليعقوبي (دام ظله) مضى في مشروعه وحيداً من دون دعم ومشاركة المرجعيات الأخرى. وقام بفتح مكاتب الفضلاء في المحافظات، ونجح نسبياً في كسب الكفاءات الوطنية،
إلا أن المد الجارف الذي مزق المجتمع وخلق منه تخندقات متعددة، طائفية وحزبية وعشائرية، حال دون تقبل مشروع وحدوي يجمع كل الأطياف في قرار واحد.
كما أنه تعرض لهجمة شرسة من الداخل والخارج، كونهم يعلمون أن هذا المشروع لو تم فسيسحب البساط من تحتهم، ويمنع تدخلاتهم الخارجية. ويخرج القيادات والرموز الوهمية من مراكز القرار في البلد.
وهكذا تقرر إغلاق مكاتب الفضلاء في المحافظات ، لتطوى صفحة أحد أهم مشاريع مرجعية النجف لقيادة العراق وتوحيد قراره، وبنائه واستقراره.
غير أن الفرصة لازالت سانحة لمثل هذه المشاريع القيادية المباركة التي ترنو إليها عيون الأمة وتتأملها، كي توحدها وتوحد موقفها. وتخلصها من كابوس هذه الطغمة الفاسدة، وتضع لأهل العراق المؤمنين الخيرين قيادة تليق بهم وببلدهم وتاريخهم.
الشيخ كامل الباهلي