في ليلة ظلماء أخذ الوجع يدب في أحشاءه، ليستعد للنداء الأخير في الحياة فاصبح لا يخرج إلى صلاته لمناجاة ربه إلا وهو متكأ على أحدهم ما كان حلمه سوى أن يحقق اكمال تلك الرسالة الربانية بعد أن قام بتبليغها فسيّر سريةً واختار أصغرهم سنا ليتأمر عليهم ووقف يودعهم وهو متعصب بعصابته من أجل ان يطمئن أنهم قد ابتعدوا عن مدينته ليستتب الأمر لمن قال في حقه مَن كنت مولاه فهذا مولاه، فقد جمعهم قبل خروجهم وأراد أن يكتب لهم وصيته المكشوفة فقال أحدهم أن الرجل ليهجر، كلمة تحمل بين طياتها عدم الإيمان والخذلان فلم يدعوه يكتب واحتجوا في حضرته وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى “لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي”، وبقولهم حسبنا كتاب الله التي لا يختلف في مضمونها عن اؤلئك الذين رفعوا المصاحف يوم صفين وقالوا لا حكم إلا لله فما أشبه العمرين في موقفهما ليخرج مَن خرج عن بينة ويمتحن ممن امتحن الله قلبه للإيمان وهو مؤمن”.
خرجوا إلى اطراف مدينته واعينهم خلف ظهورهم ينهرهم بأن يحثوا السير وأرجلهم تتثاقل إلى أرض المدينة لعلمهم أن أمرا جللا سيقع فالمنافقين مردوا على نفاقهم ليغيروا مجرى التاريخ إلى ما لا يرتضيه الله.
فارق الدنيا وهو يحلم بدولة الله في أرضه والمنافقين أرادوها دولتا للشيطان فما أن نزل في حفرته إلا عادوا تدعوهم شياطينهم ليأكلوا من تلك التفاحة التي تفتحت من جديد والشيطان يقف أمامها ليقول إنها شجرة الخلد وملك لا يبلى فعقدوا سقيفتهم ليستضلوا تحتها لمراسيم أكل تلك التفاحة وما أن قضموها حتى هبطوا بأرض جرداء خاوية خالية ولسان حالهم يقول ياليتنا كنا تربا.
فاصبحوا مع ما امتلكوا من زهو الدنيا وابهتها كالجراد المنتشر في يوم نحس مستمر وكالحمر المستنفرة فرت من قسورة فلا زالت الأمة تسير في التيه تلك الأراضي الخاوية إلى أن يُظهر الله رجلا من سلالته ينبت شجرة التفاح لتفوح منها رائحة الخير والفلاح وتحال جميع الاصقاع الى جنات غناء.
بقلم: طالب شاتي
ليلة استشهاد رسول الله صل الله عليه وآله 1442
15/10/2020