عالم الدنيا كتاب يطوى، ويوم يقضى:﴿يَومَ نَطوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكُتُبِ كَما بَدَأنا أَوَّلَ خَلقٍ نُعيدُهُ وَعدًا عَلَينا إِنّا كُنّا فاعِلينَ﴾[الأنبياء: ١٠٤]. ولكل شيء فيه آجلا :﴿وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِمِقدارٍ﴾[الرعد: ٨].
وللعبادت أجل يقضى ليكون بابا لذكره تعالى :﴿فَإِذا قَضَيتُم مَناسِكَكُم فَاذكُرُوا اللَّهَ﴾[البقرة: ٢٠٠].
وذكر تعقيب الطاعات شكرا للهداية والخروج من الضلال :﴿فَإِذا أَفَضتُم مِن عَرَفاتٍ فَاذكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشعَرِ الحَرامِ وَاذكُروهُ كَما هَداكُم وَإِن كُنتُم مِن قَبلِهِ لَمِنَ الضّالّينَ﴾[البقرة: ١٩٨] .
فإذا كان ذكره تعالى للهداية، كان مع التقوى بابا لشكره لما هدى ،فكانت نهايتها تكبيرا لينال به البشرى : ﴿فَإِذا وَجَبَت جُنوبُها فَكُلوا مِنها وَأَطعِمُوا القانِعَ وَالمُعتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرناها لَكُم لَعَلَّكُم تَشكُرونَ* لَن يَنالَ اللَّهَ لُحومُها وَلا دِماؤُها وَلكِن يَنالُهُ التَّقوى مِنكُم كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُم وَبَشِّرِ المُحسِنينَ﴾[الحج: ٣٦-٣٧].
ولما كان الصوم أياما معدودات، كان وداعه تكبيراً وشكراً : ﴿ وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرونَ﴾[البقرة: ١٨٥]. كما عن سعيد النقاش قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام : إن في الفطر لتكبيرا- و لكنه مسنون يكبر في المغرب ليلة الفطر و في العتمة و الفجر و في صلاة العيد، و هو قول الله «و لتكملوا العدة- و لتكبروا الله على ما هداكم» و التكبير أن يقول الله أكبر الله أكبر- لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد “(١). والتكبير بعد الصلاة عودة من المعراج الى الدنيا ، وبعد الصوم عودة من منزل الضيافة والكرامة إلى دار البلاء والشكوى .
فمن دخل باب الريان وذاق مجاورة الرحمن حق عليه أن يندب فراق أيام هذا الشهر ولياليه :”السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللهِ الأكْبَرَ ، وَيَا عِيْدَ أَوْلِيَائِهِ..السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَـا أكْرَمَ مَصْحُـوبٍ مِنَ الأوْقَات ِ، وَيَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الأيَّامِ وَالسَّاعَاتِ،السَّلاَمُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيهِ الآمالُ ، وَنُشِرَتْ فِيهِ الأعمَالُ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ مِنْ قَرِينٍ جَلَّ قَدرُهُ مَوْجُوداً ، وَأَفْجَعَ فَقْدُهُ مَفْقُوداً ، وَمَرْجُوٍّ آلَمَ فِرَاقُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ مِنْ نَاصِرٍ أَعَانَ عَلَىٰ الشَّيْطَانِ ، وَصَاحِبٍ سَهَّلَ سُبُلَ الإحسَانِ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ مَا أكْثَرَ عُتَقَاء اللهِ فِيكَ ، وَمَا أَسْعَدَ مَنْ رَعَىٰ حُرمَتَكَ بكَ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ مَا كَانَ أَمْحَاكَ لِلذُّنُوبِ ، وَأَسْتَرَكَ لِأَنْوَاعِ الْعُيُوب ِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ كَمَا وَفَدْتَ عَلَيْنَا بِالْبَرَكَات ِ، وَغَسَلْتَ عَنَّا دَنَسَ الْخَطِيئاتِ ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ ما كَانَ أَحرَصَنَا بِالأمْسِ عَلَيْكَ ، وَأَشَدَّ شَوْقَنَا غَدَاً إلَيْكَ..السَلاَمُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ فَضْلِكَ الَّذِي حُرِمْنَاهُ ، وَعَلَىٰ مَاضٍ مِنْ بَرَكَاتِكَ سُلِبْنَاهُ” (٢).
اللَّهُمَّ وَهذِهِ أَيامُ شَهْرِ رَمَضانَ قَدْ انْقَضَتْ، وَلَيالِيهِ قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَقَدْ صِرْتُ يا إِلهِي مِنْهُ إِلى ماأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي وَأَحْصى لِعَدَدِهِ مِنَ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ، فأَسْأَلُكَ بما سَأَلَكَ بِهِ مَلائِكَتُكَ المُقَرَّبُونَ وَأَنْبِياؤُكَ المُرْسَلُونَ وَعِبادُكَ الصّالِحُونَ، أَنْ تُصَلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَن تَفُكَّ رَقَبَتِي مِنَ النّارِ وَتُدْخِلَنِي الجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ، وَأَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ، وَتَتَقَبَّلَ تَقَرُّبِي، وَتَسْتَجِيبَ دُعائي، وَتَمُنَّ عَلَيَّ بِالاَمْنِ يَوْمَ الخَوْفِ مِنْ كُلِّ هَوْلٍ أَعْدَدْتَهُ لِيَوْمِ القِيامَةِ، إِلْهِي وَأَعُوذُ بِوَجْهِكَ الكَرِيمِ وَبِجَلالِكَ العَظِيمِ أَنْ يَنْقَضِيَ أَيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ وَليالِيهِ وَلَكَ قِبَلِي تَبِعَةٌ أوْ ذَنْبٌ تُؤأَخِذُنِي بِهِ، أوْ خَطِيئَةٌ تُرِيدُ أَنْ تَقْتَصَّها مِنِّي لَمْ تَغْفِرْها لِي”.
الشيخ عماد العلياوي
(١) تفسير العياشى، ج١، ص: ٨٢.
(٢)الصحيفة السجادية/ دعاء وداع شهر رمضان.