فَجر العَدلِ المضَرَّجَ بسيف الهَوى.. بقلم الشيخ الاستاذ عماد العلياوي
بعد ربع قرن من الزمن تشكلت فيه أول دولة مكتملة الأبعاد بعد رحيل الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله )الذي كان يمثل وجوده المبارك أنفاس السماء في إدارة شؤون الدولة، لتأتي تجربة من بعده في إدارتها امتدادا للعدل الذي أسسه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.
غير أن ما شهده الحال في إدارة شؤون الدولة إختلف عما كان عليه سابقا، حتى تغيرت معالم الرسالة ، وأصبح ملموسا عند الناس آثار الظلم في جوانب متعددة ، وأصبح الطموح عندهم لشخص يقيم العدل قضية جوهرية ، و قد أوجدت شخصية الخليفة الثالث الأرضية الخصبة لتغير مسار الأوضاع المبتعدة عن مسار النبوة، فكان لشخصية أمير المؤمنين (ع) حضوراً في نفوس المسلمين تتوقا لإقامة العدل الذي قد رأوه في زمن الرسالة.
حيث كان أمير المؤمنين عليه السلام ربيبا للنبوة والناشأ في أكنافها ، فكان العدل منه سجية مجبول عليها شخصه، ومعجونة في شخصيته.
حتى اصبح عدله مضرب الأمثال، فما تجد شخصا يوصف بالعدل إلا و يذكر معه أمير المؤمنين عليه السلام،وحين يذكر العدل لا يمكن إلا أن يثنى معه أمير المؤمنين عليه السلام.
وليس للعدل قيام من دون أخذ الحق ممن يعطى له .
وليس للعدل قيام اذا ما أعطي الحق لمن يأبى أن يؤخذ منه .
كما يرسم معالم هذا التصوير الذي عز بيانه لولا صوت العدل والحق أمير المؤمنين عليه السلام، كما في قوله:” فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لاَيَجْرِي لِأَحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ.
وَلَوْ كَانَ لِأَحَد أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ”.(نهج البلاغة : خطبة:٢١٦).
وهذا المنهج العلوي لم يكن بعيدا عن التطبيق العملي حين أتيح المجال لتطبيقه على أرض الواقع، كما أتيح الحال له (عليه السلام) حين رد قطائع الخليفة عثمان التي وهبها لأبناء عمومته، وصفا ذلك بقوله:”وَ اَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ وَ مُلِكَ [ تَمَلَّكَ ] بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ” ( نهج البلاغة/من كتاب له عليه السلام في قطائع عثمان ).
فالعدل حيث يؤخذ الحق الذي جاد به الأمير بما لا يملك .
ولا يقام العدل إلا حيث تسد أبواب الفساد، ولا يكون لسياسة تبرير الوسيلة لأجل الغاية وجود وحضور، كما في موقفه عليه السلام من أبقاء معاوية في إدارة شؤون الدولة في الشام، حيث جاء المغيرة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له: يا أمير المؤمنين إنّ معاوية من قد عرفت، وقد ولّاه الشام من قد كان قبلك، فولِّه أنت كيما تتّسق عرى الأمور، ثم اعزله إن بدا لك.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: “أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه”، قال: لا. قال: “لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً، ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ لكن أبعث إليه وأدعوه إلى ما في يدي من الحقّ، فإن أجاب فرجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى حاكمته إلى الله”. فلا مهادنة مع المخادع، ولا سياسة تديرها أيادي الفساد .
لقد تجسد العدل الذي قصده الضعفاء من الناس، ويتمثل بذكره الكبار منهم في شخص أمير المؤمنين وشخصيته عليه ، غير أنه كان ثقيلا على النفوس التي تريد العدل حيث يكون الحق لها ، دون أن يؤخذ منها .
ومن هنا شكلت مسألة الانقياد إلى الحق أكبر عائق أمام إقامة العدل، حيث وصل الحال بأمير المؤمنين عليه السلام كما فيما عنه أن يقول : ” ما أبقى لي الحق من صاحب ).
فأما الخيرون من أصحابه المنقادون له ، والمقيون للعدل معه فقد كان ضحية هذا الطريق بسيف الهوى والباطل ، كما فيما عنه حين ذكرهم عليه السلام :” مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ ـ وَهُمْ بِصِفِّينَ ـ أَلاَّ يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ ! قَدْ ـ وَاللهِ ـ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهمْ.
أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّريقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ ؟ وَأَيْنَ ذُوالشَّهَادَتَيْنِ ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ؟ قال: ثمّ ضرب بيده إلى لحيته الشريفة الكريمة، فأطال البكاء، ثمّ قال عليه السلام: أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَأمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوا”.(الخطبة:١٨٢).