البث المباشر
  • الرئيسية
  • من فكر المرجع اليعقوبي
  • أهل البيت
  • المناسبات الإسلامية
  • الدين والحياة
  • البث المباشر

“محمد الصدر” وفن إدارة الرجال

“محمد الصدر” وفن إدارة الرجال

22 فبراير 2020
516 منذ 6 سنوات

عقدان وعُشر العقد مرّت على استشهاد العالم الرباني السيد الشهيد محمد الصدر (قده) ولا زال يعيش العزلة عن العالم كما عاشها في حياته، ولا أقصد بالعزلة أن الشهيد الصدر خارج دائرة الذكر في المجتمع، وإنما لا يزال الكثير لا يعرف من هو هذا العالم، حتى أن الكثير ممّن عاش قريباً منه لم يفهمه إلاّ بمقدار حبّه له، أو تفاعله مع البطل في زمان الجبن، أو المتكلّم في وقت السكوت، أو لكونه ذلك الرجل ذا الأطوار الغريبة وغير المألوفة عن سمت العلماء، أو لأنه جاء حاملاً لأدوات التغيير وجالباً معه معدّات العمل، ومنظّراً لمّا يحتاجه في انطلاقته التي كان يعلم منذ البداية أنها لن يصل إلى الهدف بنحو تام، إلاّ أنها خطوة في الطريق ولبنة في البناء، ليأتي من بعده ويكمل ذلك المشروع لعلّ الله يذلل له العقبات في سبيل الوصول إلى الهدف الذي يريده الله تعالى، ولأجله بعث أنبياءه، وعدد أولياءه؛ { ليقوم الناس بالقسط}.

ومن تلك الآليات والأدوات المهمّة التي تمتع بها (رضوان الله عليه) هو فنه وحنكته في إدارة الرجال، في وقت عزّ فيه الرجال؛ سواء في الساحة الدينية أم الساحة السياسية أم الحركية؛ أما الدينية فقد جاء ووجد الحوزة عاكفة على ما كان، وإنها تنظر إلى ما ينبغي أن يكون على أنه بدعة في الدين، ولا دليل عليه، لأن هذا ما وجدنا عليه آباءنا. وأمّا السياسية فلا تخفى على من عاش تلك الفترة العصيبة حقبة الحزب الواحد الظالم، وأمّا من ادعى السياسة ولو في سوح المعارضة، فلا يحتاج أمرهم بياناً، بعد أن وقعوا في التجربة وخبرناهم، ولفظناهم، والحمد لله أن التغيير لم يحصل بأيديهم، بل بيده وإرادته سبحانه وتعالى.

وأما الساحة الحركية فلم تخل من المخلصين والمجاهدين في سبيل الله والإسلام إلاّ أنهم أندر من الكبريت الأحمر، نعم هناك كم كبير من الذين يحملون روح الجهاد والتضحية إلاّ أن حاجز الخوف وقمع السلطة كان حائلاً بينهم وبين حركتهم.

وهنا يأتي دور القائد الذي يفجر الطاقات ويسيطر عليها، ويزرع في قلب الأمة حب الاسلام والوعي في وجوب الدفاع عنه، وأنه لا سبيل غير الإسلام ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فمن أهم الوظائف التي قام بها الشهيد الصدر الثاني (قدّس سرّه)، هو إيجاد الرجال الذين ينهضون بهذا المشروع، وأهم ما تميّز به هو كيفية التعامل مع هؤلاء الرجال وفن إدارتهم، وإن كان الوقت لم يسنح في إكمال تربيتهم، وصقل مواهبهم إلاّ أنه يبقى تأسيس فريد.

وحيث أنني في مقام الكلمة لا البحث أسجل أهم الركائز التي اعتمدها في نقاط:
١. لم يعتمد (قدّس سرّه) على الطبقة التي تمثل الإسلام المترف، أو الإسلام (الماكاني) الذين يرون أنه ليس في الإمكان أفضل ممّا كان، ويقفون في وجه أي تجديد أو تغيير، لذا لم يتزلف (قدّس سرّه) إلى الشخصيات الدينية المعروفة ولا إلى العوائل العلمية، لعلمه بأنهم في الغالب ينحون ذلك المنحى.

٢. إيجاد طبقة من الشباب فيهم الاستعداد لخدمة الاسلام والتضحية في سبيله، بحيث يتحلون بالشجاعة، والإقدام، ولكن العقبة التي يجب أن يتحملها هي التعب على تعليمهم وتثقيفهم، بسبب خلو خلفياتهم الاجتماعية من البعد الديني، لكونهم ليسوا من اُسر علمية، وهذا يمثل بالنسبة له، أسرع الخيارات وأفضلها نسبياً؛ ومن هنا كنا نراه لا يقبل أن ينشغل الطلبة بالعمل الاجتماعي مائة بالمائة بحيث يتسبب ذلك في الانقطاع عن الحوزة العلمية والتحصيل العلمي.

٣. كان واضحاً مع هؤلاء الرجال سواء الدينيين أو الحركيين فيما يريد ولو مرحلياً، فلا يتحرك العامل معه عن عمى بالمشروع أو يتركه متّكلاً على الهدف العام وهو خدمة الاسلام، كيف وهناك نقاط حساسة في العمل الرسالي تحتاج إلى توضيح، ومن هنا كان يضع خارطة طريق لمن يعمل معه، فتجده يبيّن ذلك في الجلسة الخاصة مع شخص العامل، أو في الجلسات الأوسع من ذلك كما في اللقاء الدوري مع أئمة الجمع ليراجع معهم مسيرة العمل القليلة المنصرمة، فيشخّص الأخطاء ويبين العلاج، ويحدد المطلوب في المرحلة القادمة.

٤. كان يقف موقفاً حازماً مع من يخرج عن طريقة العمل، أو يتصرّف من تلقاء نفسه، فلا يهادن، لأنه لا يطمع في ذلك الشخص، وإنما بيّن المشروع الإلهي الذي يجب على من يعمل معه أن يعيه ولا يعمل عملاً يضر هذا المشروع، وإلاّ فعلى الآخر أن يترك العمل أو يتحمل عصا التأديب التي يحملها (قدّس سرّه)، وهي عصا التفسيق، والمقاطعة الاجتماعية؛ لا لأجل الانتقام منه وإنما لدفع مفاسده عن المجتمع وتأثيرها على صلاح الأمة.

٥. لم يكن يعاني العامل معه في غموض في الرؤية، ولا ضبابية في الطرح، بل ما يريده في ساحة العمل يطرحه بشكل شفاف وواضح لمن يعمل به، مستشهداً بقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

٦. يجد العامل معه حاكمية قوانين الإدارة في المشروع، فلا تمايز بين العاملين وبين أقاربه من أولاده أو أصهاره، ففي الوقت الذي يكون ابنه مسؤولاً عن ملف من العمل داخل المكتب، وصهره موظف يستلم الحقوق الشرعية فيه، نرى أنه ليس لهم كلمة مقابل مدير المكتب الذي لم يكن من أقاربه ولا من أصهاره، بل لو تعارضت الكلمتان فكلمة مدير المكتب هي التي تقدّم، بحسب ما يقتضيه فن الإدارة.

٧. تربية المحيطين به على مبدأ واحد مهم هو حب الإسلام والتضحية في سبيله، فلا مهادنة مع أي جهة أو شخصية على حساب الاسلام، بل لا شيء فوق الإسلام ومذهب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكل العناوين الأخرى ينبغي أن تصبّ وتنصهر في الولاء لهذا المبدأ، دون غيره، إلى الدرجة التي يكون معها نفس الشهيد الصدر ليس مهماً في قبال هذا الهدف فيقول (قدّس سرّه): «أنا لست مهماً بوجهي ولا بيدي ولا بعيني، إنما الشيء المهم هو دين الله ومذهب أمير المؤمنين (سلام الله عليه).

٨. ومن اجمل ما رأيته منه، أنه رغم أن كل العاملين معه هم من طبقة أبنائه، سواء الوكلاء أو أئمة الجمع أو الشباب الحركي، لم يكن (قدس سره) يتكلم عن أحد أو ينتقد أحد بظهر الغيب، ولا يشتكي من تصرفاته لأحد؛ بل كان يرسل عليه ويفاتحه وجهاً لوجه، بل حتى لو كانت هناك شكاية مقدمة على أحد ما كان يتخذ قراراً إلا بعد أن يواجهه، لأنه كان يعتبر الشكاية من سلوك أحد أمام الغير من الشكوى لغير الله المرجوحة أخلاقياً، إضافة إلا أنه انتقاص من مؤمن بظهر الغيب وهو حرام، بل اتخاذ القرار بحق شخص لمجرد الشكاية عليه ظلم من دون أن يسمع من الطرف الآخر.

وقد كنت ذكرت له شخصاً عيّنه إمام جمعة وقلت له، إن الشباب الذين كانوا معه يتهمونه بالعمالة للسلطة في وقت ما، فقال: نعم حبيبي، بلغني ذلك وقد ارسلت إليه وقلت له هذا الكلام وأجابني عنه، ومع ذلك طلبت منه أن يستغفر ويعلن التوبة أمامي، وسمعتها منه، واذا كان الله يقبل التوبة فكيف بأمثالي. ولذا فأنا الآن أشهد بعدالته.

إلى غيرها من الركائز التي بإمكان المتتبع لسيرته الوقوف عندها. فرحم الله شهيدنا الصدر حيّاً وميّتاً، وأسأل الله أن يرزقنا الشهادة في سبيل الإسلام ومذهب أمير المؤمنين، ويحشرنا معه في رحاب محمد وآل محمد إنه سميع مجيب.

الباحث الإسلامي الشيخ يوسف الكناني

مشاركة المقال:

مقالات مشابهة

عشرون عامًا في البحوث العالية

بين وهم التحليل وحقيقة الانتظار:كيف نهيئ أنفسنا لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف؟

المبعث النبوي الشريف: قراءة تأسيسية في بناء العقل المسلم 

الجدول

  • على الهواء
  • التالى
  • بعد

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

مناسبات شهر ربيع الاول

شهادة الامام الحسن العسكري ع

8

ولادة النبي الاكرم (ص)

17

ولادة الامام جعفر بن محمد الصادق ع

17

تابعنا

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لقناة النعيم الفضائية