بقلم توفيق حسن علوية كاتب وباحث من لبنان
ولد عليه السلام في المدينة المنوّرة يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان في السنة الثالثة من الهجرة، وقضى شهيداً بالسمّ الذي دسّه إليه معاوية بن أبي سفيان عبر زوجته جعدة بنت الاشعث وذلك في يوم الخميس السابع من شهر صفر سنة خمسين للهجرة، وقام بتجهيزه أخوه الامام الحسين عليه السلام وواراه في البقيع في المدينة المنورة، حيث مضجعه الان وقد هدمت روضته الفرقة الوهابية الضالة .
من المعلوم ان الامام الحسن المجتبى عليه السلام كان شبيه الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم ، وكان صلى الله عليه واله وسلم يصرح بحبه ، واذا ركب ظهره الشريف يقول : نعم الراكب . واذا خطب صلى الله عليه واله وسلم كان يترك الخطبة ليتلقاه حينما يراه يسقط على الارض ، وكانت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم غير واحدة من المواقف مع سبطه الحسن عليه السلام الدالة على مكانته العظمى عند الله المتعال .
بعدما عرفنا ان الامام الحسن المجتبى عليه السلام كانت له تلك المكانة العظمى عند الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم فإننا من هذا المنطلق ننتقل للحديث عن صور رائعة من سيرته المباركة ، ومنها هذه الحادثة التي تكشف عن مجمع فضائل له عليه السلام .
فما هي هذه الحادثة ؟ ورد أن شامياً رآه راكباً، فجعل يلعنه والامام الحسن عليه السلام لا يرد عليه، فلمّا فرغ أقبل الامام الحسن عليه السلام فسلّم عليه وضحك فقال: أيها الشيخ أظنّك غريباً ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك ولو سألتنا أعطيناك ولو استرشدتنا أرشدناك ولو استحملتنا أحملناك وإن كنت جائعاً أشبعناك وإن كنت عرياناً كسوناك وإن كنت محتاجاً أغنيناك وإن كنت طريداً آويناك وإن كان لك حاجة قضيناها لك.
فلما سمع الرجل كلامه بكى وقال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته.
قبل ذكر ما تفيده هذه الحادثة علينا ان نذكر مقدمة مهمة وهي : ان الحسن عليه السلام هو العقل الكامل كما في الحديث عن النبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم حينما قال : لو كان العقل رجلا لكان الحسن . كما ان الامام الحسن عليه السلام ورث عن جده صلى الله عليه واله وسلم هيبته وسؤدده ، مضافا الى انه عليه السلام كان معروفا بالشجاعة والتواضع والكرم والحلم وغير ذلك من معالي الصفات .
ان هذه الحادثة اذن حصلت مع شخص له عقل كامل ، وهو صاحب هيبة وشجاعة وسؤدد ، اي انه عليه السلام كان يستطيع ان لا يعفو عن الرجل ، وقد يعفو عنه ولكن لا يكرمه ، وقد يكرمه ولكن لا يعمل على تغيير واقعه من مبغض الى محب !!
ولكنه عليه السلام لكونه اماما هاديا عمل ببركة اوصافه الخلقية الراقية على تغيير الواقع الانساني لهذا الشامي من العداوة الى المحبة والولاية . وهذا ليس بالامر الهين البتة !
هذه الصورة التغييرية الرائعة ببركة اجتماع مجموعة من الصفات من قبيل الحلم والكرم والعلم والعفو تمكنت من استثارة دفائن عقل الاخر الذي هو بمثالنا الشامي الذي اشتغلت فيه الابواق الفتنوية التحريضية الاموية كل شغلها ! ونجح الامام الحسن عليه السلام في تغيير واقعه من الضلالة الى الهداية ، ومن البغض الى الحب !!
ان وظيفتنا بوحي مما حصل مع الامام الحسن عليه السلام ان نعمل على استثارة دفائن عقول الاخرين من خلال تركيز انتباهم على الحقائق والوقائع لا على الدعايات والاشاعات والوهميات ! فالشامي الذي كان مملوءا حقدا لال محمد بسبب الدعاية الاموية السفيانية كان غافلا عن واقعه تمام الغفلة بينما كان تركيزه منصبا على عداوة ال محمد عليهم الصلاة والسلام ، فجاء الامام الحسن عليه السلام باسلوبه الالهي الرباني ليقول له بلسان الحال : انت ما هي مشكلتك ؟ جائع ! عطشان ! عريان ! ضائع ! بلا مأوى ! بلا دليل ! محتاجا ! ملاحقا من احد ! بلا راحلة ! كل هذه المشاكل نحلها لك !! فال امية قد عبئوك ضدنا اهل البيت فيما انت على مثل هذه الحال من المعيشة ومن الضلالة ؟؟ عليك ان تعمل على حل مشاكلك الواقعية فهذا هو الاهم !!
الشامي الماخوذ بالدعاية الاموية رأى واقعا مغايرا لما كان يعهده ! لقد رأى حلما ! راى كرما ! راى عفوا ! راى عطفا ! راى خلقا رفيعا ! عندها اقر بأن الله المتعال انما جعل الامامة في هؤلاء لانه اعلم بهم !
نحن علينا ان نتعلم من هذه الحادثة دروسا عديدة تنفعنا في مسيرة حياتنا الاجتماعية ، كدروس الحلم والعلم والكرم والعفو وتفهم الاخر ومعرفة خصوصيات الزمان ، ومراعاة احوال الناس ومدى تأثرهم بالدعايات ، هذا على نحو الاجمال ، واما على نحو التفصيل فأشير الى درسين اثنين متوازيين :
الدرس الاول : اننا علينا ان نهتم بمشاكلنا ! نهتم بعيوبنا ! نهتم بتامين ما نحتاجه ! نهتم باصلاح عيوبنا ! فلا يكون تركيزنا على الحقد على الاخرين والحديث عنهم في الوقت الذي نحن فيه من اهل الغفلة عن مشاكلنا الحقيقية التي هي احوج الى حلها من استغراقنا بالاخرين !
بعض الناس للاسف يهربون من مواجهة مشاكلهم من خلال استحداث مشاكل للاخرين ، ويخاصمون الاخرين لانهم على خصومة مع انفسهم !! بعضهم من اجل انه يعيش مشكلة مع اهله فإنه يخترع مشكلة مع الاخر ليبرر عجزه عن مواجهة مشكلته مع اهله ! الزوجة لانها في مشكلة مع زوجها تستحدث مشكلة مع جارتها او غير جارتها ! الزوج لانه في مشكلة مع زوجته فانه يخترع مشكلة مع اصحابه في العمل او غيرهم ! الاب لانه في مشكلة مع عائلته يخترع مشكلة مع الاخرين ! وهكذا الام او الاخ او الاخت ! وهكذا الجار ! او رب العمل ! او الموظف وغيرهم ! ولو ان كل واحد نظر الى واقعه واهتم بمشكلاته وعالجها وانشغل عن الاخرين لكان خيرا له !!
وهذا الموضوع ينسحب على انشغال الناس ببعضهم من خلال التحريض المذهبي والطائفي او التحريض السياسي من خلال المستكبرين والمتسلطين !! فمثلا هناك بلاد بطولها وعرضها لا يوجد فيها شيعي واحد ، وهي غارقة في الفقر والجهل والتخلف والجوع والبطالة والموت ، فتأتي الانظمة المهيمنة على تلك البلاد لتعبئهم اعلاميا وتحريضيا ولتوهمهم بأن كل مشاكلكم انما هي من العدو الشيعي !! ولو التفتت شعوب تلك البلدان الى ان جوعها وفقرها وبطالتها وجهلها وقلة ذات يدها وقهرها وكل مشاكلها انما هي من هذه الانظمة الفاسدة المسلوبة من قبل امريكا وغيرها لامكنهم معالجة مشاكلهم ، ولكنهم لما اذعنوا الى الدعاية والتحريض ظلوا في واقع سيء لا حلول فيه .
ان منهج الامام الحسن عليه السلام يقول لهؤلاء : التفتوا الى مشاكلكم واعملوا على حلها ! انتم جوعى فاعملوا على حل مشكلة الجوع ودعكم من الدعاية والتحريض ! انتم مرضى فاعملوا على حل مشكلة المرض ودعكم من الدعاية والتحريض ! وهكذا انتم بلا مأوى ! وانتم في بطالة ! وغير ذلك ! مشاكلكم مع انظمتكم التابعة للامريكي وغيره لا مع الشيعة ! فالشيعة ليسوا سببا في جوع اهل الصومال ! ولا في تناحر اهل ليبيا ! ولا في مشاكل السودان ! ولا في البطالة والفقر في الحجاز ! ولا في احتلال فلسطين من قبل الصهاينة ! ولا في التطرف والارهاب في الفيلبين ! ولا في الارهاب والتطرف في مصر وسينا ! ولا في الارهاب والتطرف في فرنسا وبريطانيا ! فكل هذه المشاكل انما مصدرها جهة اخرى او جهات اخرى عليكم التركيز عليها وايجاد الحلول المناسبة معها ! اما الدعاية والاعلان فهي تاخذكم الى مكان اخر بعيد كل البعد كما اخذت الشامي في قصته مع الامام الحسن المجتبى عليه السلام !
الدرس الثاني : ان نعمل على اخراج الانسان الصالح من الشخص الذي قد يسيء الينا ، او يهاجمنا ! فلربما هو متأثر بكلام احدهم عنك ، فهنا وظيفتك ان تثبت له عمليا ما من شانه تكذيب كل ما قيل عنك من سوء !! فالشامي راى في الامام الحسن عليه السلام النقيض مما زعمته الدعاية السفيانية الاموية ! وهكذا انت عليك بتعاملك مع المسيء اليك ان تجعله غير مصدق لما نقلوه له عنك !! فبذلك انت تغير واقع الاخر من مبغض الى محب .