ليس هناك حادث في التاريخ يضارع في كوارثه وآلامه مثل ما جرى على الإمام الحسين في يوم عاشوراء، لم تبث محنة من محن الدنيا، ولا كارثة من كوارث الدهر إلا جرت على ريحانه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد تحدث الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن ذلك اليوم العصيب الخالد في دنيا الأحزان قال:
(ما من يوم أشد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يوم أحد قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب، ثم قال: ولا يوم كيوم الحسين إذ دلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا..)(5).
وليس في دنيا الإسلام على امتداد التاريخ يوم أشد وأقسى من يوم الحسين (عليه السلام) فقد ثار هذا الإمام العظيم ليقيم في هذا الشرق معالم الحياة الكريمة ويوفر الحرية والرخاء والأمن والاستقرار لجميع شعوب العالم، وقد وقفت في وجهه أولئك الصعاليك من حثالة البشرية، فأراقت دمه الزاكي في وحشية قاسية لم يشاهد التاريخ لها مثيلا في فظاعتها ومرارتها وقد اقترفت هذه الجرائم لتعيش هي تحت كابوس من العبودية والظلم والجور.
خطبة الإمام
فقبل أن تندلع نار الحرب رأى الإمام العظيم أن يقيم الحجة على أولئك الممسوخين ويسد أمامهم كل عذر، ويجعلهم على بصيرة وبين من أمرهم، فقد دعا (عليه السلام) براحلته فركبها، واتجه نحوهم، وهو بتلك الهيبة التي تحكي هيبة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخطب فيهم خطابه التاريخي الذي هو أبلغ وأروع خطاب ورد في الكلام العربي، وقد نادى بصوت عال يسمعه جلهم قال:
(أيها الناس اسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي، وحتى أعتذر إليكم، من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إلي ولا تنظرون، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين..).
ونقل الأثير كلماته إلى السيدات من عقائل النوة، وحرائر الوحي فتصارخن بالبكاء، وارتفعت أصواتهن، فبعث إليهن أخاه العباس وابنه عليا، وقال لهما: سكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن، ولما سكتن استرسل في خطابه فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله) وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره، ولم يسمع لا قبله، ولا بعده أبلغ منه في منطقة(6).
(أيها الناس: إن الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالا بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركنه إليها، وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبا لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين..).
لقد وعظهم بهذه الكلمات، فحذرهم من فتنة الدنيا وغرورها، ودلل على عواقبها الخاسرة، وأهاب بهم من الإقدام على قتل عترة نبيهم، فإنهم بذلك يخرجون من الإسلام إلى الكفر ويستوجبون عذاب الله ونقمته، ثم استرسل الإمام العظيم في خطابه قائلاً:
(أيها الناس انسبوني من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمه؟ وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه، أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوليس جعفر الطيار عمي؟ أولم يبلغكم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي!: (هذان سيدا شباب أهل الجنة) فإن صدقتموني بما أقول: وهو الحق، والله ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضر به من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إذا سألتموه أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟).
وكان خليقا بهذا الخطاب أن يرجع إلى قطعات ذلك الجيش عوازب أحلامه، ويحد انقلابا عسكريا في صفوفهم، لقد دعاهم ليرجعوا إلى نفوسهم وعقولهم لو كانوا يملكونها، فيمعنوا النظر في شأنه، فهو حفيد نبيهم، وابن وصيه، وألصق الناس وأمسهم رحما بالنبي (صلى الله عليه وآله) وهو سيد شباب أهل الجنة، وفي ذلك حصانة له من سفك دمه، وانتهاك حرمته، إلا أن ذلك الجيش لم يع هذا المنطق الفياض، فقد خلد إلى الجريمة، وغرق في الضلال.
وانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن فقال له:
(هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول..).
وتصدى لجوابه حبيب بن مظاهر وهو من ذخائر الإيمان والإسلام فقال له:
(والله إني أراك تعبد على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق، ما تدري ما يقول: قد طبع الله على قلبك..).
واستمر الإمام العظيم في خطابه فقال:
(فإن كنتم في شك من هذا القول، أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في غيركم، ويحكم أتطلبونني بقتيل منكم قتلته، أو مال استهلكته، أو بقصاص جراحة..).
وزلزلت الأرض تحت أقدامهم، وغدوا حيارى لا يملكون جوابا لرده، ثم نادى الإمام (عليه السلام) قادة الجيش من الذين كاتبوه بالقدوم لمصرهم فقال:
(يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبحر، ويا قيس بن الأِشعث، ويا زيد بن الحرث، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجندة..).
ولم تخجل تلك الذوات القذرة من خيانة العهد ونقض الميثاق، فأجابوه مجمعين على الكذب:
(لم نفعل..).
واستغرب الإمام منهم ذلك فقال:
(سبحان الله، بلى والله قد فعلتم..).
وأشاح الإمام بوجهه عنهم، ووجه خطابه إلى قطعات الجيش فقال لهم:
(أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض).
وانبرى إليه قيس بن الأِشعث وهو من ركائز الإثم والباطل في الكوفة، ومن أسرة لم تنجب شريفا قط فقال له:
(أولا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه..).
فأجابه الإمام:
(أنت أخو أخيك؟ أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد(7) عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر يؤمن بيوم الحساب..)(8).
ومن المؤسف أن هذا الخطاب النير لم ينفذ إلى قلوبهم، فقد ختم الجهل على قلوبهم فكانوا كالأنعام بل هم أضل سبيلا.
الحرب
ولما فشلت جميع الوسائل التي اتخذها الإمام لصيانة السلم وعدم سفك الدماء أعلن ابن سعد الحرب العامة على الإمام، فقد زحف إلى مقربة من معسكر الإمام، وأخذ سهما فأطلقه صوب الإمام وهو يصيح:
(اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى معسكر الحسين..).
لقد طلب الباغي اللئيم من الجيش أن يشهدوا له عند أميره وسيده ابن مرجانة أنه أولمن رمى معسكر الحق والكرامة والشرف، وتتابعت السهام كأنها المطر من رماة جيشه على الحسين وأصحابه، فلم يبق أحج منهم إلا أصيب بسهم، والتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم: (قوموا يا كرام فهذه رسل القوم إليكم..).
وتقدم طلائع الحق من أصحاب الإمام إلى ساحة الحرب، وبدأت بذلك المعركة بين المعسكرين، وهي من أعنف المعارك، التي جرت على الأرض.
مصارع الأبرار
والتحم معسكر الحق مع جيوش الضلال والباطل، وقد تسابق أصحاب الإمام الحسين مع أهل بيته بشوق ورغبة إلى الموت، ليظفروا بالنعيم الدائم، وقد قادوا بذلك حركة الإيمان، ولم تضعف لأي واحد منهم عزيمة الإيمان، وقد دللوا بتضحياتهم الهائلة على عظمة الإسلام الذي منحهم تلك الروح الوثابة التي استطاعوا بها – على قلتهم – أن يقابلوا تلك الوحوش الكاسرة، ويزلوا بها أفدح الخسائر.
لقد أبدى أصحاب الحسين وأهل بيته من صنوف البسالة والشجاعة ما يفوق حد الوصف والإطراء، خصوصا أبا الفضل العباس (عليه السلام)، فقد واسى أخاه الحسين، وفداه بروحه، وليس في تاريخ الإنسانية في جميع مراحلها أخوة أصدق، ولا أنبل ولا أوفى من تلك الأخوة، وقد أشاد الإمام زين العابدين (عليه السلام) بها قال (عليه السلام):
(رحم الله عمي العباس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه، فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وغن للعباس منزلة عند الله تعالى يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة..)(9).
وكان أبو الفضل العباس هو آخر من قتل من أخوة الحسين، وقد وقف الإمام (عليه السلام) على الجثمان المقدس، وهوي لفظ شظايا قلبه الذي مزقته الكوارث قائلا:
(الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي..).
وشعر الإمام بالوحدة والضيعة بعد فقده لأخيه الذي لم يترك لونا من ألوان البر والمواساة إلا قدمها له، وقد أتينا على أخبار شهادته وعظيم رزية الإمام بها في كتابنا (حياة الإمام الحسين).
استغاثة الإمام
وألقى الإمام الممتحن نظرة مشفوعة بالأسى والحسرة على أهل بيته وأصحابه فرآهم مجزرين كالأضاحي على رمال كربلاء تصهرهم الشمس، وسمع عياله، وقد ارتفعت أصواتهن بالعويل والبكاء يندبن قتلاهن، ولا يعرفن ما سيجري عليهم بعد قتل الحسين، وقد أثر ذلك على الإمام تأثيرا بالغا فأخذ يستغيث، ويطلب الناصر والمعين ليحامي عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قائلا:
(هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ هل من موحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟..)(10).
ولما سمع الإمام زين العابدين هذه الاستغاثة المثيرة، وثب من فراش المرض وجعل يتوكأ على عصا لشدة مرضه، فبصر به الحسين،فصاح بأخته السيدة أم كلثوم: احبسيه لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد، وبادرت إليه عمته فأرجعته إلى فراشه وأخذ يعاني من الآلام النفسية أكثر مما يعاني من آلام مرضه، فقد طافت به المحن والخطوب، فهو يرى الكواكب المشرقة من أخوته وأبناء عمومته صرعى على الأرض، ويرى أصحابهم الأوفياء مجزرين كالأضاحي، ويرى أباه وقد أحاط به أعداء الله قد صمموا على قتله، ويرى عقائل الوحي، ومخدرات الرسالة في حالة من الذعر والخوف ما لا سبيل إلى تصويره، وقد قابل تلك الكوارث المفزعة بالصبر، وتفويض أمره إلى الله.
مصرع الإمام العظيم
وأحاط الجفاة الجناة بريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعنا بالرماح، ورمياً بالحجارة، وقد أعياه نزف الدم، وبادر المجرم الخبيث شمر بن ذي الجوشن، فاحتز رأس الإمام (عليه السلام)، ويقول الرواة: أنه كان على شفتيه ابتسامة الرضا والنصر الذي أحرزه الإمام إلى الأبد.
لقد استشهد الإمام من اجل أن يقيم في ربوع هذا الشرق دولة الحق، ويقضي على الظلم والغبن، ويوزع خيرات الله على المحرومين والمضطهدين، وينقذ الأمة من حكم الأمويين الذين كفروا بحقوق الإنسان، وحولوا البلاد إلى مزرعة لهم يصيبون منها حيثما شاءوا.
حرق الخيام
وعمد أجلاف البشرية وأوغادها إلى حرق خيام الإمام الحسين (عليه السلام) غير حافلين بما فيها من عقائل النبوة ومخدرات الوحي وأطفال أهل البيت (عليهم السلام)، وقد حملوا أقبسة من النار ومناديهم ينادي: (احرقوا بيوت الظالمين..).
لقد غدا في عرف هؤلاء أن أخبية الحسين هي بيوت الظالمين، وبيوت الأمويين وعملائهم هي بيوت العدل، وهم الذين أغرقوا البلاد في الظلم والجور.
وحينما التهبت النار في الخيام فرّت بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) في البيداء، والنار تلاحقهن، أما اليتامى فقد علا صراخهم وقد هاموا على وجوههم في البيداء، وهم ستغيثون فلا يجدون من يحميهم ويغيثهم، وكان هول ذلك المنظر من أفجع ما رآه الإمام زين العابدين ولم يغب عن ذهنه طيلة المدة التي عاشها بعد أبيه، فكان دوما يقول:
(والله ما نظرت إلى عماتي وأخواتي إلا وخنقتني العبرة، وتذكرت فرارهن يوم الطف من خيمة إلى خيمة، ومن خباء إلى خباء، ومنادي القوم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين..)(11).
الهجوم على زين العابدين
وهجم الكفرة الجفاة على الإمام زين العابدين، وقد أنهكته العلة ومزقت الأحداث الرهيبة قلبه، وقد أراد المجرم الخبيث شمر بن ذي الجوشن قتله فنهره حميد بن مسلم قائلاً:
(سبحان الله!! أتقتل الصبيان؟ إنما هو مريض..).
فلم يحفل به، وبادرت إليه العقيلة عمته زينب فتعلقت به، وقالت: لا يقتل حتى أقتل دونه(12) فكف اللئام عنه، وقد نجا منهم بأعجوبة.
جزع الإمام زين العابدين
وجزع الإمام زين العابدين كأشد ما يكون الجزع، وتمنى مفارقة الحياة، وذلك من هول ما رأى من المآسي التي جرت على أهل البيت، وقد أخذ يعاني آلام الاحتضار حينما رأى جثة أبيه، وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد إلى مواراتها، وبصرت به عمته العقيلة زينب فبادرت إليه مسلية قائلة:
(ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدتي وإخوتي، فوالله إن هذا لعهد من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة، والجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه، فلا يزداد أثره إلا علوا..)(13).
وأخذت تسليه بهذا ونحوه حتى أزالت ما ألم به من عظيم الأسى الذي كاد أن يقضي عليه.
مواراته للجثث الطاهرة
وعمد الأجلاف اللئام من أهل الكوفة إلى مواراة جيف قتلاهم، وتركوا جثمان ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجثث أهل بيته وأصحابه الممجدين على رمضاء كربلاء، وانبرى قوم من بني أسد من الذين لم يشتركوا في الحرب فحفروا القبور لتلك الجثث الزواكي، وكانوا متحيرين في معرفتها لأن الرؤوس قد فصلت عنها، وبينما هم كذلك إذ أطل عليهم الإمام زين العابدين – حسبما نصت عليه بعض المصادر الشيعية- فأوقف بني أسد على شهداء أهل البيت وغيرهم من الأصحاب، وبادر بنفسه إلى حمل جثمان أبيه فواراه في مثواه الأخير وهو يذرف أحر الدموع قائلاً:
(طوبى لأرض تضمنت جسدك الطاهر، فإن الدنيا بعدك مظلمة، والآخرة بنورك مشرقة، أما الليل فمسهد، والحزن سرمد أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم، وعليك مني السلام يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته..).
ورسم على القبر الشريف هذه الكلمات: (هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قتلوه عطشانا غريبا) ودفن عند رجلي الإمام فلذة كبده ولده علي الأكبر، ودفن بقية الشهداء من هاشميين وغيرهم في حفرة واحدة، ثم انطلق مع الأسديين إلى نهر العلقمي فحفر قبرا ووارى فيه قمر بني هاشم أبا الفضل العباس بن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجعل يبكي أمر البكاء وهو يقول:
(على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورمة الله وبركاته..)(14).
وأصبحت تلك القبور الطاهرة رمزا للكرامة الإنسانية، ورمزا لكل تضحية تقوم على الشرف والعدل والحق، وقد أصبحت من أقدس مراكز العبادة، وأفضلها في الإسلام.