حين ولد الإمام الرضا (عليه السلام)، ولدت الحقيقة من جديد.
وذلك لأن الحق تعالى جعل هذه الدنيا دار امتحان وابتلاء للبشر، قال تعالى: (أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) العنكبوت.
والفتنة، تعني إدخال الذهب في النار لتخليصه من الشوائب العالقة به، وكذلك البشر الذين يخلقهم الله سبحانه وتعالى على الفطرة التي فطر الخلق عليها وهي فطرة التوحيد، وعلى الوحدانية والخضوع للخالق، إلا أن شياطين الإنس توسوس وتخنس، وتصد وتُنكس البشر على الأعقاب، وتلك هي الحرب الأبدية التي أعلنها إبليس على ولد آدم حين خلقه الله من طين، وأمر الله الملائكة بالسجود له تقديرًا وتعظيمًا للنفخة الروحية الرحمانية فيه، فأبى إبليس السجود، واستكبر مع الجحود، ولما طرد من رحمة الله أعلنها حربًا شعواء (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين). ص 83،82
وفي كل زمان للحق رجال وإن كان للباطل أذيال وأمثال وأنذال، وفي ظاهر الحياة نرى أن هؤلاء الأشقياء يغلبون أهل الحق في طول الأزمان وتتابع الأجيال، إلا أن الحقيقة الواضحة، والسنة الإلهية الراجحة في الحياة، أن الحق ناطق والباطل زاهق، وإن كان للباطل صولة، فإن للحق دولة ورجال، والله تعالى جعل في قرآنه الصامت آياته، وفي قرآنه الناطق موازن للحق، ليقيس البشر أنفسهم عليهم، لأنهم هم المقياس للناس، وهم لا يقاس بهم أحد، فهم أهل البيت الأطهار الأبرار (عليهم السلام).
فأهل البيت (عليهم السلام) هم المقاييس، والموازين، والمعايير للحق في كل زمان، والإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كان ميزانًا للحق، ولسانًا للصدق، وقرانًا ناطقًا في عصره الذي انتشر به الباطل، وقويت دولته العباسية، وصارت دولتهم ممتدة الأطراف، قوية البنيان، فطغى الحاكم والسلطان، وكاد يقول ما قاله فرعون.
فكان صوت الإمام الرضا (عليه السلام) صوت الرحمن، وشخصه هو الميزان، فكان دوره وهمّه أن يُعيد الزمان إلى الحق، ويُعيد الحق إلى الزمان، ليشهد الجميع أن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)ولي الله حقًا، وإمام الأمة صدقًا، وقائدها عدلًا.