في كلمة لسماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي دام ظله بمناسبة ولاددة الامام علي عليه السلام والتي كانت بعنوان ((مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تتناهى كأعدائه)
ابتدا سماحته بمقطع من القصيدة الأزرية المشهورة:-
يا ابن عم النبي أنت يد الله التي عمَّ كل شـــــيء نداها
خصّك الله في مآثر شــتى هي مثل الأعداء لا تتــناهى
وذكر سماحته حقاً أن فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومناقبه فاقت الحصر هذا مع جهلنا وقصورنا، وبمقدار ما وصل إلينا، قال بعضهم ((إن أولياء علي (عليه السلام) أخفوا مناقبه خوفاً وأخفاها أعداؤه حسداً وظهر بين هذا وذاك ما ملأ الخافقين))، يكفي أن نلتفت إلى واحدة من مناقبه (عليه السلام) وهو قول النبي الأكرم (صلى الله عليه واله) يوم الخندق (ضربة علي لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين الجن والإنس) وهي مطلقة لكل الجن والإنس إلى يوم القيامة، فهذا الحديث وحده يجعل ميزان أمير المؤمنين (عليه السلام) مفتوحاً للمزيد من الشرف والرفعة إلى يوم القيامة.
مبينا ًوالمفروض أن إنساناً كاملاً له كل هذه الفضائل والخصال الكريمة أن يعشقه الناس ويذوبوا في حبّه، وقد عشق علياً فعلاً كثيرون ممن عرفوا شيئاً من فضله وسمّو ذاته واخلاقه، وذابوا في حبِّه حتى من غير المسلمين كما هو معروف، لكن الغريب أن يكثر أعداء علي (عليه السلام) بشكل عجيب حيث أبدع الأزري في تسجيل هذه المفارقة من خلال التشبيه بين فضائل علي (عليه السلام) وأعدائه في الكثرة، بحيث ورد في بعض كلماته (عليه السلام) قوله (فنظرتُ فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضَنِنتُ بهم عن الموت، وأغضيتُ على القذى وشربت على الشجن وصبرتُ على أخذ الكظم وعلى أمرَّ من طعم العلقم) ، حتى سُبَّ على المنابر سبعين عاماً، وتتبّعوا أولاده وشيعته قتلاً وتعذيباً وتشريداً، ولم تسلم من حقدهم حتى مراقدهم الشريفة، يقول الشاعر في هدم المتوكل العباسي لقبر الحسين (عليه السلام) ومحو آثاره:
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا في قتله فتــــتبّعوه رمــيماً
وذكر سماحته عدة أسباب أدّت إلى كثرة أعداء أمير المؤمنين(عليه السلام) تناول تفاصيل العداء المنصوب للأمام علي عليه السلام
مستشهدا بقول الشاعر
إن يحسدوك على علاك فإنّما متسافل الدرجات يحسدُ من علا
وقد اوضح سماحته هذا ما سجلناه من دواعٍ وأسباب، ولعله توجد غيرها يكتشفها المتتبع، ولكن ماذا كانت النتيجة، قال تعالى : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال/309) فكانوا كلما أوغلوا في معاداة علي (عليه السلام) وسبّه على المنابر والافتراء عليه والانتقاص منه كان علي (عليه السلام) يرتفع ويزداد تألّقاً حتّى اعترفوا بذلك فقال قائلهم ((لقد سببنا علياً سبعين سنة على المنابر فكأننا كنّا نأخذ بضبيعه ونرفعه إلى السماء)).
هذه الظاهرة المؤلمة في حياة البشر تتكرر أيضاً بدرجات متفاوتة طبعاً مع كل الأنبياء والرسل والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) ومع العلماء الربانيين العاملين المخلصين ولنفس الأسباب المتقدّمة، ممّا يوجب الحسرة الألم والاستنكار والاستغراب قال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) (يس/30).
وختم الحديث لذا على العاملين الرساليين أن لا يستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه وأن لا يشعرهم كثرة أعدائهم بالإحباط واليأس فهذا دليل نجاحهم وتأثيرهم في الناس، ولو كانوا فاشلين ولا يمتلكون القدرة على الإصلاح والتغيير لما عاداهم أحد ولا حسدهم أحد.