إذا كان السائد على علاقة الانسان مع ربّه وخالقه هو عدم الانصاف، فهو كذلك مع الناس حيث يسود الناس الظلم والفساد والغش والخداع والاحتيال قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) الروم 41 خلافاً للأدب الذي أمرنا الله تعالى به أن نجازي بالإحسان من احسن الينا وعلى رأسهم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) والائمة الطاهرون (صلوات الله عليهم اجمعين) والعلماء العاملون المخلصون والوالدان (َبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) البقرة 83 وجيراننا وارحامنا والذين علّمونا والذين ربّونا وهكذا كل من أحسن الينا.
بل أمرنا بالإحسان حتى لمن اساء الينا، قال تعالى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ )المؤمنون 96 (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)فصلّت 34.
هذا مما جاء
في تفسير قوله تعالى (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) للمرجع الديني الشيخ محمد يعقوبي دام ظله حيث نستعرض هنا اهم ما ذكره سماحته في تفسير الاية حيث اوضح سماحته
قاعدة يتسالم عليها العقلاء وتدعو اليها الفطرة الانسانية يقررّنا الله تبارك وتعالى عليها بصيغة الاستفهام الاقراري لتعليل ما سبق ذكره من النعم، حيث جاءت الآية من سورة الرحمن في هذا السياق حيث بدأ المقطع بقوله تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرحمن46، وذكر عدة من نعم الجنان، وليطمئننا بأن الأعمال الحسنة لا تضيع لأن الاحسان لا يجازى إلا بالإحسان (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) الكهف30.
وقد كتب الله تبارك وتعالى على نفسه إجراء هذه القاعدة في تعامله مع عباده، فإنه لم يعاملهم بمقتضى العدل والمجازاة بالمثل، وانما كافأهم على اساس الاحسان والفضل مع انه هو المنعم والهادي والممكّن لعبده في فعل الاحسان (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) الحجرات17، وفي آمالي الصدوق بسنده عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال (سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول : ان الله عز وجل قال ما جزاء من أنعمتُ عليه بالتوحيد إلا الجنة)، ومع انه غني عن عباده وحينما يحسنون فإنما يحسنون لأنفسهم (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) الإسراء7، فعطاؤه تعالى إحسان في إحسان، في نهج البلاغة من كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) : (وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ)
وبين سماحته ومن المعلوم أن الاحسان فوق العدل، لان العدل منح الاستحقاق فيأخذ ماله ويعطي ما عليه، اما الاحسان فإعطاء ما لا يلزمه من الخير والتنازل عما يستحقه، وقد أشارت آيات كثيرة الى هذا الاحسان، قال تعالى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) يونس26 وقال تعالى (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) الأنعام160 وقال تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)
ويوضح سماحته عموم الآية للمسلم وغيره:ـ
والآية عامة لا تختص بالمؤمنين فكل من يصدر منه فعل الاحسان يكافئه الله تعالى بالإحسان مؤمنا كان او غير مؤمن على اختلاف درجاتهم في الكفر و الشرك او الجهل بالخالق، روى عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ): ما أحسن محسن من مسلم ، ولا كافر إلا أثابه الله : فقلنا : يا رسول الله ، ما إثابة الكافر ؟ قال : إن كان قد وصل رحما ، أو تصدق بصدقة، أو عمل حسنة أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك، قال : فقلنا : فما إثابته في الآخرة ؟ قال : عذابا دون العذاب، وقرأ (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)) غافر 64.
هذا بالنسبة للمعاند اما غير المعاند فيكافئه الله تعالى بالهداية الى الاسلام والايمان وطريق الجنة والشواهد كثيرة على حصول مكافأة كبيرة لمن قام بعمل يسير كتلك المرأة الفاسقة التي دخلت الجنة لأنها سقت قطة عطشى ماءاً، او الحر الرياحي الذي لم يرّد على الامام الحسين (عليه السلام) حين قال له ثكلتك امك يا حر لان امه الزهراء (عليها السلام) فكوفئ بنيل الشهادة والسعادة الابدية.
ونقل بعض المفسرين ان شخصا مسلماً شاهد امرأة كافرة تنثر الحب للطيور في الشتاء فقال لها : لا يقبل العمل من امثالك، فأجابته : اني اعمل هذا سواء قبل ام لم يقبل، ولم يمض وقت طويل حتى رأى الرجل هذه المراءة في حرم الكعبة، فقالت له يا هذا ان الله تفضل علي بنعمة الاسلام ببركة الحبوب القليلة
اما الثمرة العملية لذكر الآية فيبين
أراد الله تعالى بتذكيرنا بهذا القانون الفطري وبتعامله معنا على اساسه أن يؤدبنا بهذا الأدب وان نتعامل بهذه القاعدة العقلائية الفطرية مع الله تبارك وتعالى المحسن المتفضل، وكذلك بيننا نحن البشر وإن خالفونا في الدين، فنجازي الاحسان بالإحسان، روى علي بن سالم قال : سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: آية في كتاب الله مسجّلة، قلت: وما هي؟ قال: قول الله تبارك وتعالى: (هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان) جرت في المؤمن والكافر والبرّ والفاجر، من صُنِع إليه معروف فعليه أن يكافىء به، وليس المكافأة أن يصنع كما صنع به، بل حتّى يرى مع فعله، لذلك ان له فضل المبتدى)
موكدا لكن الانسان العنود الكنود المجادل الجهول الظلوم خالف هذه القاعدة في علاقته مع ربّه ولم ينصفه بأدنى درجات الانصاف فيكون الاستفهام في الآية استنكارياً بهذا اللحاظ، ويكون فيها عتاب للإنسان بأنه لا يعمل بها بعد أخذ اقراره بها في عيون اخبار الرضا وآمالي الطوسي بالإسناد عن الامام الرضا (عليه السلام) عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (حدثني أخي رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال :يقول الله عز وجل : يا أبن آدم ما تنصفني ! أتحبّبُ اليك بالنعم، وتتمّقت اليَّ بالمعاصي، خيري اليك نازل وشرُّك اليَّ صاعد، ولا يزال ملكُ كريم يأتيني عنك في كل يوم بعملٍ غير صالح، يا ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وانت لا تدري من الموصوف لسارعت الى مقته)
وختم سماحته إذا كان السائد على علاقة الانسان مع ربّه وخالقه هو عدم الانصاف، فهو كذلك مع الناس حيث يسود الناس الظلم والفساد والغش والخداع والاحتيال قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) الروم 41 خلافاً للأدب الذي أمرنا الله تعالى به أن نجازي بالإحسان من احسن الينا وعلى رأسهم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) والائمة الطاهرون (صلوات الله عليهم اجمعين) والعلماء العاملون المخلصون والوالدان (َبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) البقرة 83 وجيراننا وارحامنا والذين علّمونا والذين ربّونا وهكذا كل من أحسن الينا.