بقلم السيد رسول الياسري
أيها الأخوة الكرام، ونحن نعيش في زمن تشتد فيه التحديات، وتتكاثر فيه محاولات التشويه والتغريب، فإن هذه الوقائع تذكرنا بواقع معركة أحد، التي تمر علينا في الخامس عشر من شهر شوال.
فيطل علينا ذلك اليوم الذي أطلقت فيه المرجعية الدينية الرشيدة عنوان يوم الفتوة العالمي، ليعيد إلى الواجهة ذلك النموذج الإنساني الأصيل، الذي أسسه الإسلام في شخصية الفتى الكامل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث الشجاعة تقترن بالحكمة، والقوة تضبط بالقيم والعطاء.
لنكون أمة تحمل الفتوة، لا أمة عاجزة متكاسلة عن أداء دورها، ولا أمة تتغنى بالماضي دون أن تعمل للحاضرِ والمستقبل، فهنا يثمر هذا الفهم تلاحماً مجتمعياً حياً.
فالفتوة سلوك يعاش، ومنهج يطبق، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
فالأخوة ليست علاقة شكلية، بل رابطة تكافل وتعاون وتراحم.
وقد رأينا في واقع المجتمع العلوي – في هذه المرحلة الحساسة – تجسيداً حياً لهذه القيم، حيث تكاملت الأدوار، وتوزعت المسؤوليات، فكان كل يؤدي وظيفته بروح الإخلاص والانتماء، امتثالاً لقوله تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
فمنهم من نهض بالميدان الخدمي بكل أنواع الخدمة، يسعى في قضاء حوائج الناس، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
ومنهم من تصدى للجانب التوعوي، ينشر الوعي ويحصن العقول، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
ومنهم من وقف في ميادين الدفاع عن الحق من خلال إيصال ذلك الوعي للأمة، مستنيراً بقوله تعالى:﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيباً [الأحزاب: 39].
مضافاً إلى ما يسطره أبطال المقاومة البواسل من كسر هيبة العدو، وغيرها من الصور التي تشرح الصدر، وتحتضن مختلف الفئات العمرية من الذكور والإناث، والنخب المباركة، بقيادة المرجعيات الصالحة الرشيدة.
هذا التكامل لم يكن عفوياً، بل هو ثمرة وعي قرآني عميق، يربي الأمة على أن تكون كالبنيان المرصوص، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].
وفي مقابل هذا المشهد المشرق، لا يخفى علينا ما تبذله قوى الاستعمار الخارجي، ومعها أدواتها من المنافقين في الداخل، من جهود لقلب الحقائق وتزييف الوعي، وقد حذر القرآن من هذا المسلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42]، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: 8].
ومما يؤسف له، أن بعض المغفلين، ممن اضطربت نفوسهم، وتشوشت لديهم الرؤية، وأنخفض عندهم منسوب الوعي، انساقوا خلف هذا التيار، فراحوا يسلطون الضوء على حالات سلبية محدودة، متناسين حجم الخير الكبير، مع أن القرآن أرشدنا إلى منهج العدل والإنصاف بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8].
أيها الأحبة، إن ما نعيشه اليوم من تلاحم اجتماعي هو نعمة عظيمة، تستوجب الشكر والحفاظ، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
ومن هنا، فإن الواجب اليوم يفرض علينا أن نركز على المشتركات، وأن نعزز ثقافة التعاون والمحبة، لننطلق نحو مرحلة جديدة من البناء الداخلي المتماسك، لمواجهة العدو الخارجي تحقيقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
أيها الغيارى على الدين والمذهب، إن الفتوة الحقيقية، هي أن نكون يداً واحدة، وقلباً واحداً، وأن نحمل هم الأمة بصدق، وأن نعمل بإخلاص، مستلهمين قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
وهكذا، فإن يوم الفتوة العالمي ليس مناسبة عابرة، بل هو دعوة متجددة لإحياء القيم القرآنية وسير العظماء في واقعنا، وبناء مجتمع متماسك واع يواجه التحديات بالوحدة، ويصنع مستقبله بالإيمان والعمل الصالح، ليتطلع إلى استقبال الأمل الموعود والخير المنشود الذي وعدت به الرسالات السماوية، وتتشوق إليه النفوس الأبية.
وآخر ما ندعو به أن نكون فتياناً في هذه الأمة، وأن نكون عوناً لأولياء الله في السراء والضراء، إنه هو السميع الحميد.