(( بقلم السيد عبد السلام زين العابدين ))
” لا شك فان تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي هو من اروع التفاسير وأعمقها وأدقها وأكثرها فائدة ولذا فان مناقشة تفسيره ونقده هي من الامور المهمة والحسنة والنافعة.
في سورة ال عمران وفِي اية التداول كلمة شهداء:
( ويتخذ منكم شهداء)
فهو يعتبر المقصود هو شهداء الاعمال وليس شهداء الحرب والقتال:
(ان يمسسكم قرح فقد مَس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس
وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء…)ال عمران : ١٤٠
ودليل العلامة على ذلك ثلاثة أمور:
الاول : ان الآيات المباركة الاخرى جميعا تعني بالشهداء شهداء الاعمال
الثاني :ان لفظ الشهيد بمعنى المقتول في سبيل الله هو من الألفاظ الاسلامية المستحدثة !
الثالث : ان تعبير الاتخاذ ( ويتخذ منكم شهداء) لا ينسجم مع المقتولين وانما ينسجم مع شهداء الاعمال
يقول العلامة:
(( فالشهداء شهداء الأعمال و أما الشهداء بمعنى المقتولين في معركة القتال فلا يعهد استعماله في القرآن، و إنما هو من الألفاظ المستحدثة الإسلامية، كما مر في قوله تعالى: و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء: البقرة – 143، على أن قوله: و يتخذ، أيضا لا يلائم الشهداء بمعنى المقتولين في المعركة كثير ملاءمة، فلا يقال: اتخذ الله فلانا مقتولا في سبيله و شهيدا كما يقال: اتخذ الله إبراهيم خليلا، و اتخذ الله موسى كليما، و اتخذ الله النبي شهيدا يشهد على أمته يوم القيامة)) تفسير الميزان / ١٤٠ ال عمران
ولكن الامر الثاني غير صحيح لانه:
ان كان يقصد انه مستحدث بعد عصر النزول فهذا غير صحيح أكيدا ؛ لان هناك عشرات الأحاديث النبوية في الشهيد بمعنى المقتول في سبيل الله
منها ما جاء في نهج البلاغة :
قام اليه ع رجل فقال أخبرنا عن الفتنة و هل سألت عنها رسول الله ص
فقال ع : إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ ( الم أَ حَسِبَ اَلنَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ ) عَلِمْتُ أَنَّ اَلْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَ رَسُولُ اَللَّهِ ص بَيْنَ أَظْهُرِنَا
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ مَا هَذِهِ اَلْفِتْنَةُ اَلَّتِي أَخْبَرَكَ اَللَّهُ بِهَا
فَقَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي
فَقُلْتُ: يَا رَسُولُ اَللَّهِ أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ
اُسْتُشْهِدَ مَنِ اُسْتُشْهِدَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ
فَقُلْتَ لِي : أَبْشِرْ فَإِنَّ اَلشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ
فَقَالَ لِي: إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً ؟
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ اَلصَّبْرِ وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ اَلْبُشْرَى وَ اَلشُّكْرِ !!
وَإِنْ كان العلامة يقصد مستحدث اسلاميا بعصر النص فيعتبر حقيقة شرعية يمكن ان نحمل كلمة شهداء عليها
ومجئ الاية في سياق سورة ال عمران التي نزلت في معركة احد، التي راح ضحيتها سبعون شهيدا من المسلمين، يصلح ان يكون مؤيدا الى ان المقصود من الشهداء غير ما رجحه العلامة في تفسيره والله العالم بحقائق اياته