خلافاً للنظريات الاجتماعية المادية ومدارس التحليل النفسي ودراسة سلوك الإنسان.. ينبهر العالم برمته حينما يرى موسم الحج الذي يعيش فيه المسلمون مدة زمنية بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع يختلط فيه الجنسان _الرجال والنساء _ بشكل عجيب.. حيث الاحتكاك المباشر والتقارب الجسدي..
فالحاج يجد نفسه أثناء الطواف مثلاً محاطاً بالنساء والرجال.. وهكذا بقية المناسك.
وطبقاً للنظريات التي ذكرناها فإن من المفترض أن تكون هنالك ميولاً شهوية من قبل كلا الجنسين تجاه الآخر.. وهذا شيء غريزي كما هو ظاهر في الوضع الطبيعي.. ولكن تأتي معجزة الحج لتغير كل هذه المعادلات وتفجر قنبلة اعجازية تنسف فكر وآراء من يريد أن يجعل الإنسان حيواناً بسلوكه الغريزي.. لتعلن حقيقة جديدة مجهولة من قبل الكثير من الناس وهي:
إن الإنسان له قدرة كبيرة جداً على السيطرة على غرائزه بشكل تلقائي من دون أي تكلف أو صراع مع الشهوة، والتي تحتاج إلى تهذيب النفس بشكل كبير.
هنا في الحج تجد سلوكاً ملائكياً منقطع النظير.
هنا .. تتجلى الإنسانية بمعناها الفلسفي ومعناها الأخلاقي بأبهى صورة.
هنا .. يعيش الإنسان بشكل تلقائي حالة الانقطاع إلى الله والانشغال به لا بغيره.
هنا في الحج.. ترسم لوحة العشق الحقيقي والحب الواقعي..
فمعشوق الجميع واحد ومحبوب الكل واحد.
فماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك.
ومن يبصر جمال جلالك وبهائك ولذة دعائك ومناجاتك هل يمكن أن يروم عنك بدلاً أو تنصرف عينه عن النظر إلى جمال وجهك الكريم يا رب!!!
وهل يضاهيك في الجلال والجمال مخلوق حتى ينصرف القلب إليه!!!
هنا في الحج.. طاقة الشهوة وعنفوانها تحولت إلى شحنات إيمانية تجعل الإنسان يعيش جنون الحب الحقيقي.. لا جنون الشهوة.. ولذا تراه لا يشعر بألم الجسد بسبب أداء المناسك الصعبة جداً جداً.. ولا يحس بالتعب أو يشعر به، ولا يبالي.. لأنه في سبيل لقاء الحبيب الحقيقي .. ويشترك في ذلك الشاب اليافع والشيخ الكبير.
إذن تعالوا أيها الناس نقرأ مناسك الحج قراءة جديدة.
تعالوا نتدبر في أبعاده الروحية العظيمة ودروسه الأخلاقية المتميزة.
تعالوا نتعرف على الإنسان الذي جعله الله خليفة له في أرضه والذي علمه الأسماء كلها وأصبح بها معلماً للملائكة.
تعالوا نرى معاجز الحج الكبيرة والعديدة.
أين علماء الاجتماع والنفس والتربية…
أين الفلاسفة وأهل الفكر ليتعرفوا على هذا النموذج الفريد من الإنسان.
والذي يمكن أن يتكرر في غير موسم الحج إذا تحققت نفس الشروط.. وعلى رأسها أن نجعل الله غاية.. ومنال.. ومطمح.
من أرض الأمنيات منى.. اكتب هذه السطور.
أخوكم السيد فاضل الموسوي الجابري..
انتهى
(آية الله السيد فاضل الجابري فقيه ومؤلف وأستاذ معروف في حوزات النجف الأشرف).
يمكنك الاشتراك أيضا على قناتنا في منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية