لماذا نحيي ذكرى ولادة أمير المؤمنين عليه السلام؟
اولا : أن هذا الاحياء والاستذكار ليس امرا عاطفيا مجردا عن الفكر والمحتوى، وانما يعبر هذا التواصل مع شخصية علي بن ابي طالب أمير المؤمنين عليه السلام عن ايدولوجية ذات مقاصد واهداف، توصلنا إلى محتوى و فكر وعطاء هذا الرجل العظيم، وننفتح من خلالها نظريا وعمليا على اخلاقه وعبادته وورعه وزهده ، ونطلع على أسس دولته وإبعاد سياسته وتاريخه ومختلف جوانب شخصيته وعطائه .
هذا هو الاستذكار الذي سنه القرآن الكريم لتذكر الأولياء، قال تعالى : {واذكر عبادنا ابراهيم واسحاق ويعقوب اولي الايدي والأبصار. انا اخلصناهم بخالصة ذكرى الدار. وانهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} ([1]).
ويكفينا تقديم رسول الله صلى الله عليه واله لأمير المؤمنين عليه السلام لنا كي نتواصل مع ابعاد هذه الكاريزما الالهية الفريدة في كمالاتها وصفاتها : ( من أراد أن ينظر إلى آدم في جلالته وإلى شيث في حكمته وإلى إدريس في نباهته ومهابته وإلى نوح في شكره لربه وعبادته وإلى إبراهيم في وفائه وخلته وإلى موسى في بغض كل عدو لله ومنابذته وإلى عيسى في حب كل مؤمن ومعاشرته فلينظر إلى علي بن أبي طالب) ([2]).
ثانيا : هذا الاحياء ينبثق من مشاعر متوجهه للامام علي عليه السلام ، نقصد منها توثيق علاقة ابناء الامة بقادتها ، فكلما وقفنا لاستذكار سيرة اهل البيت عليه السلام ، واحياء مناسباتهم، وتواصلنا في هذا الأمر ، وثبتنا على هذه الشعائر المباركة بأي طريقة كانت، وفي اي ظرف كان، هذا مما يعمق العلاقة مع مبدأ امامة اهل البيت ع، مع اصل مهم من اصول الدين ، في زمن تضرب فيه العقائد ، وتزلزل فيه القناعة بالاصول والثوابت.
فهذا التواصل وبوعي في ذكر أهل البيت عليه السلام يوثق العلاقة بين المؤمنين وبين أصل الامامة ، ولهذا التوثيق آثاره الدنيوية والأخروية ومنها الثبات على المبدأ الحق و الانفتاح عليه، والاستفادة من عطاءاته، وزيادة البصيرة في التزامه، ونيل حسن العاقبة بالتمسك بحجزته ،
قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ([3])
روي الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال : ( إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَ عِزُّ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ الْإِمَامَةَ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي وَ فَرْعُهُ السَّامِي ، بِالْإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ تَوْفِيرُ الْفَيْءِ وَ الصَّدَقَاتِ وَ إِمْضَاءُ الْحُدُودِ وَ الْأَحْكَامِ وَ مَنْعُ الثُّغُورِ وَ الْأَطْرَافِ..)([4])
وهذا الثبات على مبدأ الإمامة ، يعطي بعدا التزاميا فكريا وروحيا مع نيابة الإمامة في عصر الغيبة الكبرى، وهم العلماء ومراجع الدين الاعاظم .
ثالثا : نحن عندما نحيي ذكرى ولادة امير المؤمنين عليه السلام نقصد إلى تفعيل منهج تربوي مهم ومؤثر في جميع مجالات حياة الإنسان، وعلاقته بالمجتمع ، وهو ( الاسوة الحسنة) ، وهنا نريد وبصورة من صور احيائنا للذكرى ان نقرأ سيرة ذلك الإنسان السياسي الإسلامي الثابت على خط الشريعة كل جوانب سياسته ، لنفهم صفات الحاكم وواجباته وحدود صلاحياته، وآليات تعامله مع شعبه ، وطريقة تعاطيه مع منظومة حقوق الإنسان وتشريعاتها وكيفية المطالبة بها.
فالشاب العراقي المؤمن الغيور على بلده ، والذي يرزح تحت ظل حكومات ظالمة صادرت حقوقه، وصادرت كرامته، عليه أن يقرأ عن السياسة العلوية، وعن صفات السياسي المستقيم الناجح، وكيف تعامل مع شعبه، و هو القائل :
(أيغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة. ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال القائل –
وحسبك داء أن تبيت ببطنة *
وحولك أكباد تحن إلى القد.
أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش)([5])
ويقول عليه السلام : (قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأى عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين)([6])
رابعا. : تثقيف الجمهور بثقافة السياسة الإسلامية الملتزمة بخط الاسلام ظاهرا وباطنا ، بثقافة اسلمة السياسة بالمفاهيم الاسلامية، لا بعلمنة السياسة وامركتها ، ولا بثقافة توظيف الدين لاجل السياسة، ولا بثقافة هجران الثوابت الإسلامية من اجل المصالح الدنيوية ، وذلك من خلال قراءة سيرة السياسي الاسلامي الملتزم و الحاكم العادل في طرح العدالة الاجتماعية بكل صورها ، يقول ع :
( ووقفتكم على حدود الحلال والحرام، وألبستكم العافية من عدلي وأفرشتكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي)([7])
والافادة من نظام الادارة الذي اتبعه عليه السلام و توجيهاته لولاته ، يا مالك :
(وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ. فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك) ([8])
هذه الثقافة السياسية الأصيلة لا الوافدة والدخيلة التي يحتاجها شبابنا اليوم وهم يقومون الحاكم، ويطالبون بحقوقهم، ثقافة السياسة العادلة التي ترسم لنا آليات المطالبة بقانون انتخابي عادل وانتخابات نزيهة وتوزيع للثروة بعدالة ومحاسبة للفاسدين، وتوفير للحاجات وضمان للحقوق.
(والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق) ([9]).
(والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة. ما فعلت وإن دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها)([10])
نحن مدعوون في هذه الليالي للانفتاح أكثر وأكثر على شخصية امير المؤمنين عليه السلام ،خصوصا ونحن مبتلون بازمات السياسة، أقروا عن سياسة على بن أبى طالب ومبادئها واسسها التي طرحها نظريا وعمليا في برنامجه الحكومي، وكيف أعاد بناء مؤسسات الدولة، وكيف تعامل مع المال العام، كيف عالج الفساد الإداري، وكيف قنن لضوابط تعيين الولاة وكيف تعامل مع المخالفين له بالرأي الفقهي والعقدي والسياسي، وكيف سمح بإنشاء احزاب المعارضة، وكيف فسح المجال لحرية الصحافة والاعلام والتعبير عن الرأي، وكيف تعامل مع مجتمع الكوفة المتنوع ثقافيا ودينياً ومذهبيا وعشائريا وقوميا.
خامسا : نحن عندما ننفتح على شخصية امير المؤمنين انما نعمد الى تأكيد وترسيخ الهوية الاسلامية في ثقافة الانسان المسلم المعاصر ، وترسيخ مبدأ التمسك بها ، والمحافظة عليها ، والدفاع عنها امام الحملات الممنهجة التي تهدف في برامجها وادواتها الاعلامية الى اذابة الهوية الأصيلة ، واستبدالها بهوية وافدة ومستوردة بمفاهيمها ورؤاها واخلاقياتها ، مما جعل كثيرا من ابناء الاسلام يبنهر بها ، وينصهر في بوتقتها ، ومن ثم تندثر هويته بكل حيثياتها في الهوية المصدرة له .
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله عز وجل، وعترتي أهل بيتي، ثم قال: اللهم اشهد ، ثلاثا) ([11]) ،
روي ان رسول الله صلى الله عليه واله قال لأمير المؤمنين عليه السلام : ( يا علي، أنا مدينة الحكمة، وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغضك، لأنك مني وأنا منك لحمك من لحمي، ودمك من دمي، وروحك من روحي، وسريرتك سريرتي، وعلانيتك
علانيتي، وأنت إمام أمتي وخليفتي عليها بعدي، سعد من أطاعك، وشقي من عصاك، وربح من تولاك، وخسر من عاداك، وفاز من لزمك، وهلك من فارقك، مثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم، كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة ) ([12])
عن الامام الصادق عليه السلام : ( حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، و حديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله قول الله عز وجل )
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
الهامش :
____
([1]) ص : 45، 46، 47
([2]) بحار الأنوار ، المجلسي ، ج17، ص419 ب5 ح49.
([3]) التوبة :119
([4]) الكافي، الكليني، ج1 صص 198.
([5]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي، ج 3ص 72.
([6]) شرح النهج ، ابن أبي الحديد – ج ٢ ص ٣١٢
([7]) ينابيع المودة، القندوزي، ج ٣ ص ٤٣٣.
([8]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي، ج ٣ ص ٨٤
([9]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي، ج ١ ص ٤٦
([10]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي، ج ٢ ص ٢١٨
([11]) إكمال الدين، الصدرق، ص137 .
([12]) الأمالي ، الصدوق ، ص 341 .
([13]) بحار الأنوار ، المجلسي ، ج2 ص 179 .
____
الشيخ عمار الشتيلي
النجف الاشرف
من جوار مرقد سيد الوصيين ع
في يوم ذكرى ولادته 1445 هج