خطابات مرجعيتنا واضحة وكل من يريد أن يفهمها أكثر فعليه أن يكون أكثر متابعة واطلاعاً على مؤلفات وخطابات وكلمات مرجعيتنا الرشيدة لأنها منظومة متكاملة ومن غير الصحيح أن نجتزئ بعضها ونأخذ به ونترك البقية[1].
وقد وضع سماحته آلية لفهم خطاباته وما فيها من تكاليف بشكل دقيق وهذه الآلية تبدأ
أولاً: التساؤل عن سبب اختيار المرجع لهذا الموضوع دون سواه وفي هذا الوقت بالتحديد.
ثانياً: علينا النظر للواقع المعاش لأجل معرفة جواب تساؤلنا وعندها سنفهم ما يريده سماحته منا بالتحديد في هذه الفترة فنؤديه بتوفيق من الله سبحانه وتعالى…
وهذه الطريقة العلاجية للحالات المرضية التي تصاب بها شرائح كبيرة من المجتمع والعلاجات إنما هي مستخلصة من القرآن الكريم وسيرة المعصومين (عليهم السلام)[2].
ولتطبيق هذه الآلية
ننظر إلى الواقع لفهم مراد سماحته في هذا القبس سنقرأ في الواقع أنه قد جرت في البلاد الانتخابات البرلمانية.
وقد مكّن كثير من الناس مجموعة من الأشخاص والأحزاب والتيارات وهذا التمكين الذي حصل سيُسئل عنه كل من انتخب لأنه ما من واقعة إلا ولله فيها حكم. وقد أكدت المرجعيات الرسالية على الجماهير المؤمنة بالمرجعية الرسالية أن لا يقولوا قولا ولا يفعلوا فعلا إلا بعد مراجعة الحوزة ومعرفة رأي العلماء الأعلام والمراجع الكرام[3] …
ويقسم الناس إلى ثلاثة أقسام بحسب هذه الطريقة أي الإيمان والالتزام بالمرجعية الرشيدة:
– قسم من الناس يتبعون قيادات وشخصيات بلا حجة شرعية وهذه القيادات قد تكون دينية أو لا.
– قسم من الناس يدعون الايمان بالمرجعية الرسالية واتبّاعها إلا أنهم لم يلتزموا بحكمها فيما يخص هذه الانتخابات على تفاصيل ذكرتها المرجعية الرشيدة في مؤلفاتها وخطاباتها وكلماتها وتوجيهاتها.
– قسم من الناس يدعون الايمان بالمرجعية الرسالية واتبّاعها وقد أدوا ما عليهم ولكن على تفاوت في التطبيق.
وبعد هذا التقسيم نقول أن سماحة المرجع اليعقوبي ذكر في بداية القبس القرآني (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: 167]
تصور الآية مشهدا من مشاهد يوم القيامة حيث يتبرأ الزعماء والرؤساء والقادة والمتبوعون عموما من اتباعهم ويتنصلون عما سببوه لهم من ضلال وانحراف وفساد[4].
وعبارة سماحته تخص القسم الأول وحالهم يوم القيامة حينما يتبرأ الزعماء والقادة والمتبوعون منهم!
وهذه الحسرة تشمل القسم الثاني بمستوى من المستويات لأنهم لم يؤدوا الطاعة وارتكبوا معصية بسبب عدم الالتزام بأوامر وتوجيهات المرجعية الرشيدة …
وتشمل أيضاً بدرجة من الدرجات الذين لم يؤدوا ما عليهم من تكليف وإنما أدّوا جزء مهم منه…
أما الذين أدوا فعليهم أن لا يتطاولوا على من قصر لأن ما قاموا به من أداء للتكليف لم يأت عن استحقاق ( لا استحقاق هذه نعم تفضل وابتداء من الله تبارك وتعالى). بحسب تعبير سماحته الذي ذكره في القبس القرآني …
فليشكر كل من أدى التكليف الله تبارك وتعالى وليتواضعوا … وأن يكون المخلصون على حذر فضلا عن غيرهم وهذه النصيحة قالها المرجع في قبس قرآني حمل عنوان (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) مسؤولية المؤمنين عن إعمار المساجد. حيث قال سماحته:
(على العامل المخلص أن يبقى دائماً في يقظة وحذر ولا يتكل على عمله ولا يترك منفذاً للعجب أو الرياء الى قلبه فإن النفس الإمارة بالسوء متربصة بصاحبها ويمكن أن توقع به في أية لحظة فتزل قدمه عن الطريق المستقيم.)[ 5 ]
وقد أوضح سماحته الفائدة من هذا القبس القرآني الأخير (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) حيث قال: ما نريد أن نستفيده هنا أمران:
1- اغتنام كل فرصة للطاعة وعدم إضاعتها فإن (إضاعة الفرصة غصة وحسرة). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: إن أعظم الناس يوم القيامة حسرة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره.
2- علينا أن نعيش الحسرة والندامة في هذه الدنيا على كل ما فاتنا من خير وما وقعنا فيه من سوء وعلى كل ما صدر من قصور وتقصير ليدفعنا ذلك الى التدارك والإصلاح ما دامت فرصتها موجودة في هذه الدنيا.
هذا التحسر والتأسف في الدنيا مثمر ومنتج أما عدم الإحساس به وتأخيره فإنه يعني استحالة الحصول على فائدة منه بعد الموت كما نطقت به الآية محل البحث وحكى الله تعالى عنهم (قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها)[المؤمنون: 99-100].
فالمرجع اليعقوبي يريدنا أن نحاسب أنفسنا على كل ما صدر منا من قصور أو تقصير تجاه تأدية التكليف سواء في الانتخابات التي كانت فرصة عظيمة للطاعة لأنها باب مهم من أبواب الاصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في تأدية أي واجب …
أما عدم المحاسبة وعدم الشعور بالحسرة والندامة تجاه قصورنا وتقصيرنا (فهذه كبيرة وغير مغتفرة والحسرة مؤلمة يومئذ) بحسب تعبير سماحته في القبس القرآني.
بقي شيء مهم
قد سبق وأن أوضح المرجع اليعقوبي، أنه “من واجب المرجعية الدينية تقديم الموعظة والإرشاد والنصيحة وتشخيص الخلل وتقديم الحلول واستشراف المستقبل قبل وقوعه”[6].
وفي وقت سابق حذر المرجع اليعقوبي قبل تسعة أشهر من فتنة تزوير الانتخابات أو توظيف السلاح والمال السياسي فيها. وذلك في خطابه الفاطمي السنوي الذي ألقاه يوم الأحد 3/جمادى الآخرة/1442 الموافق 17/1/2021 حيث جاء في الخبر الذي نشره الموقع قول سماحته:
(إن مثل هذه الفتنة تؤدي إلى تمزيق المجتمع والاقتتال وفقدان العدالة الاجتماعية وتدمير البلاد وفسح المجال لتدخل الإرادات الاجنبية ووصول طبقة غير مؤهلة لقيادة الدولة. وهذه من أعظم الجرائم التي تُرتَكب في حق الشعب).
وفي خطوة استباقية طلب سماحته من أبناء الشعب العراقي – وهم يستعدون لخوض انتخابات برلمانية حاسمة في هذا العام- ان يكونوا على مستوى عالٍ من الوعي والفطنة عند اختيار من يحكمهم لينقذوا البلد من الكوارث التي حلّت به[7].
ولكن لم يتعظ كثير من المتصدين والشعب ولم يأخذوا بنصيحته فحصلت مقدمات حدوث الفتنة والمتصدون والناس مع موعد لتحقيق نتائجها أعاذنا الله من شرورها …
فتكليفنا في هذه المرحلة مع ما تقدم
على أئمة المساجد والفضلاء والمؤمنين إعمار المساجد مادياً والأهم منه الإعمار المعنوي كما قال سماحته في قبس سابق. وقال سماحته: “وهذه العمارة المعنوية هي التي تُبرِزُ حقيقة المسجد وتؤدي رسالته الإلهية المفعمة بالخير والصلاح والرحمة والسعادة، والتي هدفها بناء الانسان الصالح والمجتمع الصالح، أما بناء الجدران والسقوف وزخرفتها فإنها لا قيمة لها إذا خلت من هذه الحقيقة حيث يتحول المسجد الى مكان للنزهة واللهو والعبث ويصير متحفاً يرتاده السوّاح كما حصل فعلاً”
وأوضح سماحته في نفس القبس:
إن رسالة المسجد في الإسلام عظيمة كما كان في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) فهو مظهر عزة الإسلام وقوة المسلمين، وهو مجمع المؤمنين ومحل احتشاد الأخوة في العقيدة، وعمارته ونشاطه علامة يقظة المسلمين، وفيه يتعلم الناس أمور دينهم ويناقشون قضاياهم المصيرية، ومنه تصدر القرارات المهمة، وتنطلق حركة الوعي والإرشاد والإصلاح وقوافل الخير والمعروف والدفاع عن الإسلام، وبوجوده تغلق منافذ المنكر والفساد والشر، وبه تتحقق مصالح اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وسياسية وفكرية جمّة لا يسع المجال لشرحها، فهو جماع الخير ومركز كل حركة إسلامية فاعلة.
ولا مجال في المسجد للعابثين والمنافقين، روى ورّام في كتابه قال (قال: يأتي في آخر الزمان قوم يأتون المساجد، فيقعدون حلقاً، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة).
وأوضح سماحته عظمة المساجد وبركاتها على الفرد والمجتمع حيث قال:
أيها الأحبة:
هذا بعض ما ورد في عظمة المساجد وبركتها على الفرد والمجتمع، وقد لمسنا ذلك على أرض الواقع، فكلما كانت المساجد عامرة وفاعلة كان المجتمع في خير لذا فنحن مطالبون اليوم بـ (صحوة) و (يقظة) وقيام استجابة لقوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ) (سبأ:46) فننفض عنا ركام هذه الغفلة والتقصير في حق المساجد بل في حق أنفسنا إذ لم نستثمر هذه الفرصة العظيمة للطاعة التي أتاحها الله تبارك وتعالى حتى لا نكون ممن يشكوهم المسجد كما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام): (ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه).
وعلينا أن نستفيد من زخم المسجد وقوته وآثاره المباركة في المواجهة الحضارية التي يخوضها الإسلام مع أعدائه داخل بلاد المسلمين وخارجها لمحق الإسلام.
إن الفرصة متاحة اليوم لنشر المساجد ومحالّ العبادة وإقامة الشعائر الدينية في كل مكان ولو بأبسط اشكالها، كغرفة كبيرة تتخذ حرماً للصلاة مع مغاسل للوضوء، من دون الحاجة إلى أبنية ضخمة، نعجز عن تفير أموالها، والمهم تأسيسها على التقوى {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة:108).
وإن أداءنا لهذا التكليف إن شاء الله سيجنبنا شرور الفتنة المقبلة ويعصمنا من الخوض فيها … ويدفع عنا البلاء والوباء والعدوان والجور وكل هذه الثمرات وغيرها قد أوضحتها المرجعية الرشيدة في خطاباتها السابقة
فللنجاة من الفتنة أوضحت المرجعية الرشيدة الطريقة في خطاب لها سنة 2005 وحمل عنوان (شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة) حيث جاء فيه: ( إن سفن النجاة من الفتن هم العلماء المجتهدون الجامعون لصفات ومميزات القيادة )[ 8 ]
فعلينا اتباعهم وتطبيق كل ما يقولون إذا أردنا النجاة …
وحثت وأكدت المرجعية مرارا وتكرارا على اعمار المساجد ماديا ومعنويا وقد بيّنت الفوائد والثمرات المباركة لهذا الإعمار[ 9 ].
ومن ثمرات إعمار المساجد دفع البلاء والوباء والعدوان والجور وهذا ما أوضحه المرجع اليعقوبي في محاضرة له ألقاها على طلبة الحوزة بتاريخ 24 شعبان 1423هـ الموافق 21 تشرين الأول 2002م حيث قال فيها: إن من كانت له حاجة عند أحد قصده إلى بيته ليقضيها له، والمساجد بيوت لله تبارك وتعالى، روي إنّ في التوراة مكتوباً: (إنّ بيوتي في الأرض المساجد فطوبى لمن تطهّر في بيته ثم زارني في بيتي، وحقّ على المزور أن يكرم الزائـر)[ 10 ] ، فاقصدوه تبارك وتعالى ليدفع عنّا العدوان ويرفّع عنّا الحصار الظالم والجور، ولنأخذ درسنا من قوم يونس (عليه السلام)؛ فإنهم لما عادوا إلى الله تبارك وتعالى رفع عنهم البلاء [فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ](يونس:98)، وقد جرّب المجتمع أنهّ كلمّا يقترب إلى الله تبارك وتعالى فإنه يحظى برحمة منه وبركات لم يكن يتصورها[ 11 ].[ 12 ]
وأكد سماحته على أن من بركات اعمار المساجد دفع البلاء وذلك في قبس قرآني ألقاه 3 شهر رمضان 1442 الموافق 16/4/2021م حيث قال فيه:
إن من بركات إعمار المساجد وإحيائها دفع البلاء عن الأمة وما أحوجنا إليه ونحن نسأل الله تعالى ان يكشف عنا هذا الوباء[ 13 ].
فعلى المؤمنين الشعور بالحسرة والندامة على ما صدر منهم من قصور وتقصير في أداء الواجب أو تركه وتطبيق التكليف القديم الجديد الذي أمرت به المرجعية الرشيدة لأجل النجاة من الفتنة ودفع البلاء والعدوان والجور ورفع الوباء مع جني الثمرات الأخرى الكثيرة ومنها الثواب العظيم … والله ولي التوفيق
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
المصادرــــــــــــ
[1] كلمة سماحته التي القاها على طلبة جامعة الصدر الدينية فرع الرحمن في تموز 2004 (تسجيل فيديوي) وكلمة سماحته في جميعة طلاب الهندية / كربلاء (1426هـ / 2005م) (تسجيل فيديوي) وكلمته في كادر إذاعة البلاد بتاريخ 28 نيسان 2005م.(تسجيل فيديوي)
[2] راجع كلمة سماحته التي ألقاها في وفد من أهالي ذي قار ناحية النصر في شوال 1425هـ الموافق تشرين الأول 2004م. (تسجيل فيديوي) وكلمة سماحته التي ألقاها في وفد من أهالي الكوت والناصرية 2 كانون الأول 2004م. وكلمة سماحته التي ألقاها في وفد أهالي البصرة وجمعية السبيل الإنسانية الإسلامية بتاريخ 23 نيسان 2005.
[3] السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، الجمعة الأولى ، والجمعة الثانية والأربعون (تسجيل فيديوي). المرجع اليعقوبي، خطاب المرحلة ج10 ص328.
[4] رابط التسجيل الكامل للقبس القرآني: https://youtu.be/QcQxZ4ucgGA
[5] نشرة الصادقين العدد (211) الصادر بتاريخ 7 رمضان 1442هـ الموافق 20 نيسان 2021م.
[6] خطاب المرحلة ج11 ص343.
[7] الموقع الرسمي : https://yaqoobi.com/arabic/index.php/news/844245.html
[8] خطاب المرحلة ج4. نشرة الصادقين العدد ( 27 ).
[9] أنظر: كتاب شكوى المسجد وكتاب خطاب المرحلة ج1 ص388.
[10] مستدرك الوسائل: 1 / 298.
[11] ومن ثمار هذه الحركة المباركة زوال الطاغية المقبور صدام بعد ذلك بأشهر في نيسان/2003 وهو أمر كان ميئوساً منه في الحسابات الطبيعية إلا أن يشاء ربي شيئاً.
[12] خطاب المرحلة ج1 ص387.
[13] نشرة الصادقين العدد (211) مصدر سابق.
بقلم محمد النجفي