فتية الإسلام…مواقف ثابتة في نصرة الحق
( مصعب بن عمير ، صعصعة بن صوحان، عمرو بن جنادة )
بمناسبة يوم الفتوة الذي دعى إلى أحياءه المرجع اليعقوبي في ( الخامس عشر من شهر شوال ) ذكرى معركة أحد ونزول النداء من السماء ( لا فتى إلا علي )، لابد من استذكار شخصيات إسلامية تاريخية امتازت بصفات الفتوّة في حياتها الرسالية، وخطت لها دورًا تاريخيًا راسخًا، ويحدثنا التاريخ عن شخصيات صحابية ولائية جليلة منتهل منها:
ثالثًا. الصحابي مصعب بن عمير:
لمصعب قصة عظيمة ومؤثرة في التضحية بالحياة وعناصر الحياة من أجل الحق الذي رآه وعرفه فاتبعه وسار عليه تاركًا ترف الدنيا وملذاتها وراء ظهره، ناشدا القرب من النبي الأكرم ” صلّى الله عليه وآله ” ونصرته من أجل الظفر لمهمة الإصلاح التي أستوعبها من الرسالة المحمدية فحملها في نفسه، فتلك هي الفتوّة بمعناها السامي.
يحدثنا التاريخ أن مصعب بن عمير كان شابًا مترفًا في عائلة مترفة، ولكنه كان يتردد على دار الأرقم التي يجتمع فيها رسول الله .” صلّى الله عليه وآله ” أوائل الدعوة، فتغذى ذلك الشاب على الغذاء الروحي الذي كان يبثه محمد ” صلّى الله عليه وآله ” بين صفوف المجتمع المكي ويتربى عليه من يهدي الله قلبه للإيمان، فما كان من مصعب الا الالتحاق بالوافد الجديد الذي هدفه تخليص الأمة من جاهليتها رغم معارضة أهله وعناد أمه ومحاربتها لله ولرسوله ولابنها وحرمانه من لذة العيش بأموالهم الكثيرة، فلم يتزلزل ولم يهتز، وتقدم في طريقه الذي اختطه عن قناعة مع حبيب القلوب وحبيب الله محمد ” صلّى الله عليه وآله وسلم “، ونتيجة الضغط الشديد على المسلمين هاجر مصعب إلى الحبشة الهجرتين، وبعدها ارسله الرسول ” صلّى الله عليه وآله ” إلى المدينة كأول سفير في الإسلام، وأدى المهمة على أكمل وجه، في تعليم القرآن الكريم والدعوة إلى الله تعالى، معتمدًا على صفات الفتوّة التي يحملها من (عقل راجح وخلق كريم وقدرة على المناقشة والإقناع والزهد والترفع)(*).
ثم حمل اللواء مجاهدا بين يدي رسول الله ” صلّى الله عليه وآله” حتى استشهد في معركة أحد وهو يذود عن الحبيب الذي عشقه والمشروع الذي امن به.
رابعًا. الصحابي صعصعة بن صوحان:
كان اسمًا على مسمى فقد كان فتى من فتية الإسلام قريبًا من رسول الله ” صلّى الله عليه وآله “، ولازم أمير المؤمنين ومدافعاً صلبًا عن الحق الذي عرفه وامن به.
يذكر لنا التاريخ أنه امتاز بصفات حسنة عديدة، فيما قال الإمام ” عليه السلام ” في صعصعة ( إني كنت ما علمتك إلاّ خفيف المؤونة، حسن المعونة )(1). ، فكان مقاتلًا بارعًا وفارساً شجاعًا لقن الأعداء درسًا بليغًا في الحروب التي خاضها مع أمير المؤمنين ” عليه السلام ” وقال عنه الشعبي ( كان صعصعة بليغًا وخطيبًا فذًا كنت أتعلم منه الخطب )(2)، وكان صوتًا هادرًا للحق لا يخاف بطش الحاكم لذا كان يتحدث عن فضائل الإمام علي ” عليه السلام ” في العهد الأموي(3)، وكانت مواقفه صلبة ولا يخشى في الله لومة لائم.
تلك هي خصال الفتوّة التي امتاز بها صعصعة فكان خير ناصر لأمير المؤمنين ومدافعًا صلبًا ولاية أهل البيت، لم يثنيه التهديد والنفي عن قول الحق والصدح بهويته.
خامسًا. الفتى عمرو بن جنادة الأنصاري:
ينقل لنا أرباب المقاتل عن الشاب الذي شجعته أمه حينما رأت الإمام وحيداً في الطف، وقدمته للمعركة بعد أخذ الأذن من الإمام الحسين ” عليه السلام ” وهو يرتجز ( أميري حسين ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير ….. علي وفاطمة والداه فهل تعلمون له من نظير )، إنه نموذج من الشباب الحسيني الذي تغذى على الإيمان وخصال الفتوّة، هو الشاب عمرو بن جنادة، الذي كان والده صحابيًا، ومن خواص الإمام علي ” عليه السلام “، والتحق بثورة الحسين واستشهد في الطف بين يدي الحسين ” عليه السلام ” ليكمل مع ولده الصغير مسيرة الحياة على نهج الحق الذي عرفوه وقدموا كل ما يملكون من أجله وهي النفس الأبية التي لا ترضى بغير الشهادة بين يدي أولياء الله، فبعد استشهاد الأب، وبقاء الإمام وحيداً تقدم هذا الفتى اليتيم بكل صلابة وهو يرى الشهداء يملؤون ساحة المعركة ولا من ناصر غير القائد الذي تقدم للتضحية من أجله ومن أجل الدين الذي أمن به عن فهم ووعي، ليسطّر ملحمة إنسانية عظيمة في الذود عن الثوابت الإلهية رغم صغر السن، لكن صفات الفتوّة جعلته كبيراً تتناقل الأجيال موقفه الشجاع وهو ينصر الحق في آخر لحظات الموت الرهيب، ليلتحق مع الأرواح التي حلّت بفناء الحسين ” عليه السلام ” عليهم منا سلام الله أبدا ما بقينا وبقي الليل والنهار.
الدروس:
نستلهم من هذه السير المباركة كثير من الدروس المهمة في حياتنا منها:
0.ان الانخراط في الدعوة إلى الله تعالى توجب ذوبان الشخص في فيما يؤمن وعدم النظر للأمور المادية فقط(( لو تأتّى لأتباع محمّدٍ الظفرُ دائماً لتحوّل الإيمان، بدون شعور، إلى فكرةٍ ماديةٍ مِن الغنائم والأسلاب، وتبخّر عليهم معناه، و
لكن شاء الله أن يكون جهادهُم جهادَ إيمانٍ فقط، فكان في ظَفرِهِم وإخفاقهِم ظَفرٌ لفكرة الإصلاح التي يحملونها، ذاك في التفوُّقِ وحيِّزه الواقع، وهذا في التركيز وحيِّزهُ النفس. ))، فإن رضا الله هو الذخر للحياة والأخرى.
0. طاعة القيادة في الحِل والترحال، والاستعداد لما يخدم العمل الرسالي في أي مكان من العالم.
0. حمل الصفات الحسنة وخصال الفتوّة وتمثيل الجهة المباركة خير تمثل لأن الداعية إنما يكون واجهة للجهة التي يمثلها وهي الإسلام الذي يتصف بصفات الخير جميعها.
0. ما احوج القيادة لأنصار يتحلون بصفات الفتوّة التي منها أن يكون العامل خفيف المؤونة حسن المعونة، كما قال أمير المؤمنين ” عليه السلام “.
0. عدم التأثر بمن يتصدى زورًا وإن تنحى الحق جانبًا، فقول الحق والدفاع عن الحق يكون ثابتًا مهما اختلفت الظروف، والصدح بالهوية فخرًا وتمثيلها خير تمثيل.
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنزَلتَ وَاتَّبَعنَا الرَّسولَ فَاكتُبنا مَعَ الشّاهِدينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]