سمعنا تسجيلا صوتيا منسوبا إلى أحد أبناء مراجع الدين تضمن اضطرابا وتناقضات واضحة بخصوص موقعية ولاية أهل البيت عليهم السلام في قوام الدين ( ، فمرة يقول انها واجباً عقائدياً ولانشك في ذلك، ومرة يقول ليست أصلا ثابتا في الاسلام.. وعاد ليكرر فيقول لايتوقف قوام الدين على أن أهل البيت هم العترة المصطفاة من هذه الأمة، وأن في ذلك تأمل بل منع واضح على حد تعبيره.
ولنا عدة تعليقات على كلامه :
1. قوله ان ولاية اهل البيت واجب عقائدي ولكنه ليس اصلا في الاسلام غير مقبول .. فالواجب يتطلب امتثال ولكل واجب نمط من الامتثال يناسب طبيعته .. فكيف نمتثل هذا الوجوب العقائدي ؟ مادام امرا عقائديا فان امتثاله يكون بالايمان وانعقاد القلب على مضمونه والتزام الجوارح باثاره ومايترتب عليه .. فالاقرار بولاية اهل البيت واجب محله القلب فيسلم به و العقل يؤيده ويؤكد عليه ، والجوارح تلتزم بلوازمه ومنها توليهم وطاعتهم ونصرتهم والتبري من اعدائهم.
2. هنالك خلط في كلام المتحدث بين اصل الاعتقاد والايمان بولاية اهل البيت وبين ابراز ذلك بلفظ او قول وهو التشهد اللفظي ، والمهم هو الاول ولا ملازمة بين الالتزام بالواجب وبين ابرازه بشهادة او تلفظ .
فجميع المسلمين – الا من شذّ- يقولون بوجوب مودة اهل البيت وحرمة أذاهم ويعدّ ذلك الحكم من ضروريات الدين ومن ينتهك هذا الواجب يحكم بخروجه عن الاسلام ، ومع ذلك ليس واجبا ان يشهد المسلم بتلفظ ذلك ، ولكنه ملزم بامتثاله عمليا وسلوكيا .
3. كيف لايكون الايمان بان اهل البيت ع هم العترة المصطفاة من قوام الدين ؟ وقد نصّ القران والروايات الصحيحة على ان اعظم حكم في الدين هو ولاية الائمة من اهل البيت عليهم السلام ، بل جعل القرآن كل احكام الدين بكفة ، وولاية امير المؤمنين عليه السلام بكفة اخرى – وهي الارجح والاهم – حيث قال الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ومن بعده ولاية ابنائه المعصومين عليهم السلام .
4. الحديث عن الامام الباقر ع ( عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمس: الولاية و الصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يناد بشئ ما نودي بالولاية يوم الغدير )
فجعل الحديث الولاية لاهل البيت اهم احكام الاسلام بنص صريح .
5. عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شئ من ذلك أفضل؟ قال: الولاية أفضل لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن،…….
وتمثيل الولاية بالمفتاح واضح الاهمية .. فلو انك تمتلك كنزا ثمينا ولكنك فقدت المفتاح او اضعته فهل تستطيع ان تنتفع بذلك الكنز ؟ ام يصبح وجوده كعدمه ؟ فقيمة الكنز بوجود المفتاح وحفظه ، وكذلك الدين كله وبجميع احكامه الفردية والاجتماعية من عدالة اجتماعية ودفع الظلم وانصاف المظلوم ، وحفظ كرامة الانسانية لا يمكن ان تتحقق الا بالقيادة الصالحة المعصومة .
6. الحديث المشهور بين الفريقين عن رسول الله صلى الله عليه وآله ( إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تَمَسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي: كتابَ اللَّه وعترتي أهلَ بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوضَ)
الحديث قرن وجوب التمسك والالتزام بالقران بوجوب التمسك بالعترة الشريفة ، فكما ان هجر القران عمليا محرم وينتح تيه وضلال البشرية وتسلط الظالمين عليها ويخرم قوام الدين ، فكذلك عدم التمسك بالعترة يؤدي الى نفس تلك النتائج المؤسفة ويضيع الغرض والحكمة من الالتزام بالدين .
7. ان العلاقة بين اصل التزام ولاية اهل البيت عليهم السلام وعقد القلب على الايمان بها وامتثال استحقاقاتها عمليا وبين مجرد التلفظ وابراز هذا الايمان لفظيا .. هي علاقة المضمون والروح بالصيغة والشكل الظاهري .. فقد يجب مضمون وروح الواجب ولكن لايجب التعبير عن صيغته الظاهرية الشكلية .. فمثلا في بعض العبادات يجب ان يقصد الانسان نية القربة الى الله تعالى حتى تقبل منه ولكن ليس بالضرورة ان يجب اعلان وابراز النية ، فالصلاة لايجب فيها ابراز النية تلفظا ولكن قصد القربة – روحها ومضمونها – واجب وتبطل الصلاة بدونها . وقد يتوقف امتثال واجب على قصد والتزام نية القربة لله تعالى ويستحب ابرازها لفظا كما هو الحال في عبادة الحج ومناسكه ، وليكن واجب الولاية لاهل البيت عليهم السلام من هذا القبيل ، فمضمون الاعتقاد بولايتهم واجب ومقوم الدين – بل أسّه المتين – واشهاره وابرازه لفظا مستحب وليس واجب .
8. ان عدم الطرح الدقيق لهذه الموضوعات العقائدية المهمة قد ينتج اللبس والتشوش لدى عامة الناس ، وعندها يتحمل من يلقي هذه الافكار بدون ملاحظة حدودها العلمية الدقيقة المسؤولية امام الله تعالى والرسول صلى الله عليه واله واهل البيت عليهم السلام .
9. ان مؤدى القول هذا – ولاية اهل البيت ع ليست من قوام الدين – ستجعل المؤمن يشعر بعدم وجوب التعريف ودعوة المسلمين الى اتباع اهل البيت في قيادة ولاية امور الامة .. وان في اتباعهم خير الدنبا والاخرة ، نعم يبقى بقية المسلمون على حكم الاسلام وانهم مسلمون يتزوج منهم و يتوارثون وتحل ذبائحهم وو . ولكن هذا موضوع مستقل عن موضوع وجوب الايمان بولاية اهل البيت ع وحقانيتهم بخلافة الرسول صلى الله عليه واله ، ووجوب سعي الامة لتمكين الائمة من قيادة الامة بالحكمة ووسائل الاقناع ، بينما اذا تبنى المرء مقولة ان ولاية اهل البيت ليست من قوام الدين فعندها سيكون الامر سيّان في الدعوة اليهم وتمكينهم وبين التخاذل والانكفاء عن تمكينهم ونسر حقانيتهم في اوساط الامة .