قال الإمام الرضا عليه السلام: إن الإمامة أس الإسلام النامي.
• وقال رسول الله صلّ الله عليه وآله: لكل شيء أساس وأساس الإسلام حبنا أهل البيت.
الانسان متدين بالطبع
أطلق الباحثون مجموعة عناوين وقوالب بغية تعريف هوية الإنسان أو تشرح الخصائص المشتركة بين بني الانسان أو تفصح عن اللغة المتحدة بينهم، فقالوا مثلا الانسان اجتماعي بالطبع، بمعنى أن كل أفراد الانسان تنجذب نحو الحالة الاجتماعية وإن اخلفت الرؤية الاجتماعية من شخص لآخر إلا أن كلهم اجتماعيون الطبع.
او قالوا الانسان موجود مُفَكِّر، يعني أن العلامة التي تميز أبناء الانسان هي التفكير والمنطق، ورغم أن الفكر الاجتماعية عند الناس مختلفة، لكن يجمعوا أن طبعهم اجتماعي ورغم أن الوجهة التفكيرية متنوعة إلا أنه يجمعهم أنه انسان مفكر.
وإذا طالعنا القرآن والنصوص الشريفة نظفر على عنوان يمثل حالة مشتركة بين أفراد الانسان ولعلها أعمق من الاجتماعية وأعمق من التفكير، وهي أن نقول أن الانسان موجود متدين بالطبع، فلا يوجد فرد لا فكرٌ دينيٌ له، سواء كان دينا فاسدا أو صحيح، سواء كان هذا الدين دين الإلحاد أو دين التوحيد، وهذا هو معنى قوله تعالى لكم دينكم ولي دين.
لذلك يخطأ العلمانيين من أن العلمانية تعني اللا دين. لأن نفس العلمانية دين وإن كانت دينا فاسدا.
من هنا يقول بعض علماء الغرب إن كل النظريات التي تنبأت بأفول الدين بعد عصر الحداثة تبين وهمها وخطأها، لأن الإحساس بالدين ينبع من حال فطرية لدى الانسان، إذا فالإنسان متدين بطبعه وميال منجذب نحو دين.
التمييز القرآني بين الإسلام والإيمان
هل تعمقنا في دلالات وطبقات وصفوف وأبعاد الدين الحقيقي الصحيح الذي نعتقد به؟، أم أن أغلبنا لا يراوح معرفة أن هذا الدين حق وإلهي لكن من غير أن يتعرف على طبقات هذا الدين وقد يكون المشكلة تسبب فيها الخاصة من العلماء وأهل الفكر، ولكن من غير قصد، لأنهم على مر التاريخ يصطدمون بجماعات تنشر الشبهات التي تنقض أصل الدين، لذلك يتخندقون في الدفاع عن أصل الدين وجهدهم كان مشكورا وسعيهم كان مأجورا، لكن هذه الحالة حالت بينهم وبين بيان طبقات الدين بعد أصل الدين.
وإن أول من فتح موضوع أن الدين طبقات هو نفس القرآن الكريم عندما تحدث عن الدين، حيث بين أن له أبعاد، ولم يتكلم عن دين له مقومات في سلة واحدة بمجرد أن يدخل إليه الناس يكونون على مستوى ووصف واحد، إذ فرق القرآن بين الدين في حدود الإسلام وبين الدين بمعنى الإيمان، الدين في معنى الإسلام طبقة، والدين بمعنى الايمان طبقة أخرى، وحتى لا نشتبه القرآن الكريم مرة عبر بلفظ الايمان وقصد الإسلام.
المرتبة الأولى: الإسلام هو صرف التشهد بالشهادتين، فمن يتشهد بهما دخل في الإسلام أي إن الإيمان مرادف الإسلام بهذه الحالة.
ومرة أخرى يعبر القرآن بكلمة إيمان وهو يقصد الإسلام، الحالة الأولى الدرجة الأولى، (يا أيها الذين آمنو أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) هذا معناه يا من تدين بدين الإسلام أطع الله وأطع الرسول.
المرتبة الثانية: ذكر القرآن في آيات أخرى الايمان، وبين أنه درجة أعلى من الإسلام، قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم) إذا فرّق بين حالة الإيمان وحالة الإسلام وبين أن الإسلام عبارة عن إقرار باللسان ولكن الإيمان حالة قلبية وجدانية حتى تصل إليه، وهذا ما قصد به الإيمان بالمعنى الخاص.
والإيمان بالمعنى الخاص هو اعتقاد بالجنان اعتراف باللسان وعمل بالأركان والمقومات والعمل الصالح.
المرتبة الثالثة من الإيمان: بعد مرحلة الايمان الخاص يوجد مرحلة الايمان خاص الخاص (الإسلام الواقعي).
في الإسلام مجموعة من المقومات والأركان والأبواب والاعتقادات، والله يريد منا ألا ننظر إليها نظرة تساوي، بمعنى أنها ليست كلها متساوية في القيمة والرتبة فلا يمكن اعتبار أن التوحيد بذات رتبة النبوة مثلا.
وهنا شبه أهل العلم بناء الإسلام كالأعمدة في البناء، فلكل عمود وظيفة مغايرة، ولا يمكن لعمود أخذ وظيفة الآخر، وإن فعلت فإنك تجني على البيت وتسقطه، بمعنى إن هدمت الأسس هدمت البيت.
مقومات ودعائم الإسلام
مقومات الدين على طبقات:
الطبقة الأولى: أسس الإسلام:
ومعناها المفاتيح (المداخل) أي هي البوابات (العقائد) التي تدخلك إلى الدين (الإسلام) ابتداءً، إذا لم يدخل منها الشخص لا يدخل للدين مهما فعل، والاجماع بين المسلمين أن أسس الدين الشهادتان التوحيد والتصديق بنبوة النبي محمد صلّ الله عليه وآله، فمن لا يؤمن بأحدهما أو كلاهما لا يدخل للإسلام.
الطبقة الثانية: أصول الدين:
أصول الدين لا تُدخِل لبوابة الإسلام، بل الإخراج منه، بحيث إذا دخلت من التوحيد والنبوة ثم جئت إلى الأصول ولم تؤمن بها أخرجتك من الإسلام، فالإيمان بها شرط لعدم الخروج من الدين، ويجب السعي لمعرفتها والاعتقاد بها والتَمثُل بها. الطبقة الثالثة: أركان الدين: وهذه طبقات متعددة، وهي عدة واجبات اعتقادية مثل الاعتقاد بوجوب الصلاة (ولا يقصد هنا عمل الصلاة) والاعتقاد بوجوب الحج (وليس عمل الحج ذاته فهو واجب فرعي) والاعتقاد بوجوب الحجاب.
وهذه الطبقات الثلاث (الأسس، الأصول والأركان) يجب على الانسان أن يتعلمها ويفعلها في واقعه، فمن لم يتعلمها يقال له لما لم تتعلمها فهي أمور واجب السعي لتعلمها والاعتقاد بها والعمل بها.
الطبقة الرابعة: الضروريات في الدين:
هي واجبات وقد تكون اعتقادية، إلا أن الانسان ليس مطالب بأن يسعى لمعرفتها، لكنه إذا اطلع عليها فإيمانه بها واجب، أو من يرغب بتكامل إيمانه عليه أن يسعى لتعلمها والاعتقاد بها والعمل بها، ومن أمثلتها لا حصرها حكم الزكاة.
الولاية باب الإيمان بالمعنى الأخص
أين موقع ولاية أهل البيت مما سبق كله؟، هل تدخل في أسس الإسلام أو أصوله أو أركانه أو في ضرورياته؟
نرجع إلى السؤال السابق بيانه، حيث قلنا إن الإيمان بالمعنى العام يعني الإسلام والشهادتين، والإيمان الخاص أن تؤمن بالأصول والعمل الصالح من دون ولاية، أما الإيمان خاص الخاص أساسه هو الدخول في ولاية أهل البيت عليهم السلام.
إذا ولاية أهل البيت من الأسس لكنها ليست من أسس الإسلام الظاهري الأولي بالمعنى الأعم، ولكن من أسس الإيمان خاص الخاص، فإذا أردت بعد أن تعتقد بهذه الأصول أن تدخل بوابة الإيمان الحقيقي الواقعي فلا يمكن العبور إليه إلا من خلال الولاية.
فالايمان الحقيقي (الإسلام الواقعي)، الذي يترتب عليه الأجر والثواب والنجاة، ورد في القرآن الكريم بقوله تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) إذا باب الأجر ومفتاحه هو المودة يعني الاعتقاد بأهل البيت عليهم السلام.
وقال رسول الله (ص): أنا مدينة العلم وعلي بابها، يعني الإسلام الواقعي يعني مدينة الفقه المحمدي الأصيل فبابها ومفتاحها وأساسها ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.
ويقول الصادق عليه السلام: (الولاية أفضل من العبادات لأن الولاية مفتاحهن)، والمفتاح هنا يعني الإدخال في الإسلام الواقعي.
كما قال الإمام الرضا عليه السلام: (إن الإمامة أس -أساس- في الإسلام النامي) بمعنى الإسلام الواقعي أي الإيمان خاص الخاص، بحيث يعبر إليه المكلّف من خلال بوابة الإمامة.
وعندما يقول خاتم الرسل: (لكل شيء أساس وأساس الإسلام حبنا) يعني أساس الإسلام في الدرجة الثالثة بمعنى الايمان الواقعي لا معبر له إلا بالولاية.
ونحن نعتقد في المسلمين الذين يؤمنوا بالإسلام من دون الولاية أنهم مسلمين، وفيمن آمن بجميع الأصول وعمل الصالحات أنه مؤمن بالمعنى الخاص، أما إيمان خاص الخاص فبوابته ومعبره ولاية أهل البيت عليهم السلام.
وهذا لا يخصنا نحن فقط حتى هم يرون أن الاعتراف بخلفائه عن رسول الله أساس أن تكون مؤمن، والفرق بينا وبينهم في الأشخاص فقط، فنحن نختلف معهم في المعنونات ونتفق معا في العناوين، أي نحن نقول أن الإمامة في علي وأولاده عليهم السلام وهم يقولون في أشخاص آخرين.
لذا علينا أن نزداد تعلمًا وتفهمًا لأدلة الإمامة وسعتها في العوالم.
الشيخ علي الفؤادي