المنجي الإلهي
ورد عن رسول الله ص أنه قال إن الحسين مصباح هادٍ وسفينة نجاة، ورد هذا القالب الوحياني بمضمون واحد مع صياغات مختلفة في بعض الحروف.
فقد روى الصدوق في عيون اخبار الرضا أن رسول الله ص أنه قال إن الحسين مصباح هدىٍ، وسفينة نجاةٍ وبحر علم وذخر.
اما العلامة البحراني في مدينة المعاجز فقد روى هذا الحديث بقالب اخر فقال عن رسول الله انه قال إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.
وروى ابن قولويه في كامل الزيارات عن رسول الله ص أنه قال إن الحسين راية الهدى ومنار أوليائي.
ويرى بعض المحققين أن هذا النص النبوي هو حديث قدسي أوحاه الله مباشرة لرسوله إما وحيا أو أن رسول الله ص رآه مكتوبا عن يمين العرش، ونحن أمام قالب وحياني عظيم وخطير وأعظم ما فيه أنه تعريف عوالمي للحسين ع وليس تعريفا يخص البشر لأن كتابته يعني هو تعريف للحسين للملائكة قبل البشر.
الحسين ع جامع لوازم المنجى
إن هذا النص يمكن أن يؤيد بآيات عديدة في القران الكريم، حيث ذكر القرآن الأنوار الإلهية التي تجلت في المصطفَين من عباد الله وأوضح أنها غير قابلة للإخفاء والإطفاء والتعتيم.
وبناء على ذلك يمكن القول إن هذا القالب النبوي ثابت، إما بصيغ أو لا أقل بصيغة واحدة، حتى يمكن أن نتأمل فيه وأن نستخرج بعض الفوائد والمعاني منه، لأنه نص وحياني عظيم وارد في تعريف الحسين عليه السلام وأعظم مهمه أوكلت علينا ان نتعرف على الحسين عليه السلام، وليس هذا التعريف هو تعريف بشري للحسين، وإنما هو تعريف عوالمي، كون أن الرواية تقول إنه مكتوب عن يمين العرش إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة فأراد الله تبارك وتعالى أن يأتي بتعريف للحسين يشمل أذهان وافاق الملائكة كما أنه يشمل سائر البشر.
الاهتمام بالحسين ليس تفريطا في المعصومين عليهم السلام
إن أول دلالة لهذه الرواية هي أن الحسين عليه السلام منج إلهي جمع كل لوازم النجاة والأمن بمسير البشر إلى الله تبارك وتعالى.
وقد يقول قائل أليس اختصاص الحسين بهذا التعريف أنه مصباح الهدى وسفينة النجاة، يقود إلى التفريط والتزهيد في غيره من الأئمة، أو لتكثيف وتشديد وتقوية الرابطة مع الحسين فحسب والارتباط بالمشروع الحسيني فهما ووعيا وسيرة، والتفريط في المشاريع المعصومية الأخرى؟
هذا القول خطأ محظ، لأن هذه النبرة والمعادلة إذا وردت في قوالب الوحي لا يراد منها تشهيد شيء في الدين والتفريط في غيره وإنما يراد منها لفت النظر واسترعاء الانتباه لخصوصية وميزة في الحسين عليه السلام.
مثال:
– إذا قال رسول الله ص أن الصلاة عمود الدين هل يعني ذلك اختصاصها بهذا الوصف التفريط والتزهيد في غيرها من العبادات؟
– عندما يقول إن الكعبة بيت الله الحرام فهل هذا يعني التفريط في سائر البيوت المقدسة؟
هذه الأمثلة تلفت الأذهان وتوقظ العقول على ميزة وخصوصية في هذا الإمام المعصوم وإن كان هناك خصوصيات في غيره من المعصومين، فالهوية والذات لكل المعصومين متشابهة، وإنما تريد أن تطل بنا على دور ولغة وخطاب الحسين وعلى المشروع الذي تهيأ الظرف له أن يقوم به فهذا المشروع العملي فيه تلك الخصوصية.
سر اختصاص كل إمام بوصف
لماذا لم يجعل هذا الحديث على الإمام الصادق وجعل لقب الصادق على الحسين عليه السلام بالرغم من أنهم كلهم مصابيح هدى وسفن نجاة وصادقون؟ وما هدف تخصيص كل إمام بلقب أو مجموعة من الفضائل؟
أولا: لابد من معرفة أن الأئمة المعصومين من حيث المزايا الروحية والصفات النفسية واحدٌ، وإن تفاضلوا في العلم، فقد روى المفيد في كتاب الاختصاص بسند صحيح عن البيزنطي عن الرضا عليه السلام، قال: كلنا نجري في الطاعة والأمر مجرى واحد وبعضنا أعلم من البعض الآخر.
ويمكن نفي الاشتباه ممن يقول إنه إذا كان بعضهم أعلم من بعض إذا بعضهم أكفأ من البعض الآخر، وهذا اعتقاد خاطئ لأن هنالك علمان: الأول علم إدارة الأرض وفيه فرعان علم الدنيا والدين والأئمة فيه واحد في هذا العلم، والعلم الثاني علم بالأسماء الإلهية المستأثرة، ولا دخل لها في إدارة المشروع البشري، فإذا قالت الرواية كلنا نجري مجرى واحد بعضنا أعلم من بعض، فهذا يعني في العلوم المستأثرة وليس في علوم إدارة الأرض بفرعيه لأن كل واحد من الأئمة الأطهار يمكنه أن يشرق على الأرض بالأنوار والهداية والإصلاح الكفوء كالآخر بلا فرق تماما.
ثانيا: إن هذه الألقاب والأوصاف التي برزت فيهم نزلت عليهم بجعل سماوي وليس بوضع بشري، والدليل على ذلك أن الرواية التي نحن فيها هي حديث قدسي، مكتوبة عن يمين العرش.
ثالثا: كل صفة وفضيلة برزت في إمام تنطبق على رسول الله (ص) أشد الانطباق، بل إن رسول الله هو أصل في الصفات وهم تجليات عنه، فعندما نصف الحسين أنه مصباح هدى وسفينة نجاة فهذا ينطبق على رسول الله وبشكل أكمل.
رابعا: لقد فرق الله تبارك وتعالي تلك لصفات في الأئمة عليهم السلام لأنها تخضع لقانون تكويني مهم، وهو أن البشر غير قابلين للتعلم بشكل دفعي وإنما تدريجيا، لأن المدة القليلة التي عاشها رسول الله لم تكن كافية لإبراز كل الواقعيات، لذلك نحن بحاجة إلى أئمة بهذا التدريج لأن إصلاح البشر يتم بشكل تدريجي بسياسة الخطوة بعد الخطوة فيتعلم البشر شيئا فشيئا.
وبتعبير علماء الفلسفة يقولون المفيض تام الإفاضة والفاعلية، ولكن المتلقي ناقص في القابلية، كالأستاذ الذي هو عالم بكل العلم الذي يُدرِّسُهُ، ولكن التلميذ يجب ان يأخذه تدريجيا.
فالله سبحانه وتعالي قدر وشاء أن تبرز المكارم الدينية والفضائل الإلهية في واحد منهم بعد واحد، بمعنى أنه أراد للصدق أن يتجلى في الصادق ويبرز فيه بعينه وفي دوره، وأراد للحسين أن يكون مصباح هدى وسفينة نجاة، لأن له لغة وطريقة ومنهج اختص به دون غيره وهي لغة الدم وطريقته في تعليم الناس بالجراحات وبتحمل المكابدات والمرارات، فلغته قادرة على التأثير على كل واحد من البشر انفتح على الحسين عليه السلام.
مديات الأنوار الحسينية
إن القول بأن الحسين مصباح هدى سفينة نجاة لا تخص الحياة البشرية ومسيرة الأبدان فحسب، بل والأرواح كذلك أينما بلغت بها العوالم، فأهل المعرفة يقولون أراد الله لمسير الدنيا أن يكون مسيرا استكماليا للبشر من خلال العبادات والأوامر والانتهاء بالنواهي، فالمسير الاستكمالي لا ينقطع بموت الانسان ودخوله إلى عالم البرزخ، وإن كانت تنتهي بعض العناصر التي يتكامل بها الانسان في عالم الدنيا من الفقه والحلال والحرام مثلا، ولكن تبقى وسائل أخرى يستكمل بها الانسان المسير بتلك العوالم، مثلا المعرفة التوحيدية الأصلية، هذه المعرفة عامل في التكامل بالدنيا والآخرة فمن أتى للقيامة بمعرفة توحيدية عالية فإن درجاته تسموا أكثر وأكثر، إذا فالعلاقة بالحسين وكونه مصباح هدى وسفينة نجاة تستكمل مسيرة الأرواح في كل العوالم الأخرى ونفعها عميم فيها.
في كامل الزيارات عن الصادق عليه السلام يقول (ما من عبد يحشر في يوم القيامة إلا وعينه باكية إلا البكاؤون على الحسين، وإنهم لفي مجلس الحسين وإنهم لحداث الحسين في ظل العرش، فتبعث إليهم الحور العين أن قد اشتقناكم فيأبون ويفضلون حديث الحسين على الجنة لما يرون فيه من الكرامة والسرور، فماهي تلك العلوم والمعارف التي يستقونها من الحسين في ذلك العالم؟ ألا يرتفعون يعرجون بدرجاتهم بهذا التعليم؟ إذا فالعلاقة مع الحسين تكامل البشر حتى بذلك العالم الأبدي.
الشيخ علي الفوادي