بسمه تعالى
عندما أرتدى سيدنا الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) كفنه في مسجد الكوفة المعظم، كان هادفاً لمعناه، ناكراً لذاته، مستعدَّاً للتضحية في سبيل أهدافه، مستنهضاً الأمة للدفاع عن دينها ونصرة أوليائه، زاهداً في الدنيا وملذاتها، كان نزيهاً شفافاً أميناً صادقاً مخلصاً منصفاً، وشجاعاً، لذا ختم الله تعالى له الحياة بكفن من نوع خاص، فخرج شهيداً ابيضاً طاهراً نقياً، كبياض وجهه وشيبته المباركة.
ومن هنا تردَّدنا، وسالت الدموع من أعيننا، وارتعدت فرائصُنا عندما كُلّفنا بإقامة أول صلاة جمعة لنا بعد استشهاده (قدس سره). وسقوط النظام البائد في منطقة حي الحسين (عليه السلام) في البصرة حين وضع الكفن على متننا. لما في ذلك من مسؤولية عظمى، تضاف لمسؤولية الجمعة وخطاباها وصلاتها.
ومن هنا أُذكّر نفسي، وأخوتي، وجميع المؤمنين (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) الذاريات: 55، وأوصيهم بالحق (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) النصر: 3
وأقول: من يريد أنْ يرتدي الكفن في حياته حال تصدّيه لأمر ديني، أو دنيوي فيه نفع للناس وتذكير بالآخرة. لا بدَّ أنْ يعي هذا العمل وما يرمز إليه، ويكون بقدره ومن أهله وإلّا سيعود عليه ـ بلْ على الأمة ـ بالخيبة والخسران في الدنيا والآخرة.
يا أخوتي: هل وعينا واستوعبنا ما هدفه السيد الشهيد (قدس سره) من التوشّح بكفنه. لكي نتشبّه به، ونسارع لارتداء الكفن في أيِّ مناسبة.
لاشكَّ أنّ السعي لوعي حكمة ارتداء الكفن حال التصدي لمثل هذه المهام الجِسام في نفسه حسنٌ وغاية المطلوب. ولكن يجب علينا الاستعداد التام قبل ذلك، بتهذيب النفس وتزكيتها بالفضائل وتخليتها من الرذائل، والتحلّي بالعلم والبصيرة. وتنقية القلب من الغلّ والحقد والضغينة خاصة على المؤمنين، ووعي المسؤولية. والتجرّد عن الأنا والنرجسية، والابتعاد عن العصبية، والحذر من المطامع الدنيوية، واستحضار النية الحسنة والمحافظة عليها بإخلاص وعزيمة. والطاعة لله ولرسوله وأوليائه في كلِّ صغيرة وكبيرة، وجعل ذلك هو الهدف المنشود ودونه يهون كلُّ أمرٍ وشخصٍ وجهةٍ.
والمهم أنْ تكون نيتنا صالحةً ومخلصةً لله تعالى، لا يشوبها رياءٌ أو مصلحة شخصية أو فوائد دنيوية. وأنْ نستحضر هدفنا ونحافظ عليه ونختم به، فإنَّ الأمور بخواتيمها.
قال تعالى: (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة: 72
ميثم الفريجي
5 جمادى الآخرة 1443 هـ
النجف الأشرف، مرقد سيدي الشهيد محمد الصدر (رضوان الله عليه)
يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية