بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
عظم الله أجورهم بذكرى شهادة الإمام ابي جعفر الجواد عليه السلام.
الله سبحانه وتعالى حينما خلق ابن ادم خلقه مستعدا للكمال أو التسافل مثل العناصر في الطبيعة التي يمكن أن تتفاعل لتكون أنفس المركبات كالماس والزبرجد، ويمكن أن تكون مركبات عضوية نتنة يخجل الإنسان من ذكرها
قال الله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)
أن الله تعالى حينما خلقنا فليبلونا أينا أحسن عملا: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ وقال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا… (7)
وكل المقدرات التي تتاح للإنسان من أموال و أولاد ومنصب وعلم انما هي تصب في هذا الغرض غرض الابتلاء قال جل من قائل: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) نعم مصير كل ذلك إلى زوار لا محال.
من هنا أريد القول أنّ الذين قتلوا الأئمة عليهم السلام والذين يظلمون الناس إنما غلبت عليهم صفات السوء والشر فجعلت منهم أدوات للقتل والفساد والفسوق
وإذا رجعنا إلى مرحلة الإمام الجواد ع وبحثنا عن سبب قتل هذا الإنسان العظيم في ربيع عمره (خمسة وعشرين سنة) مع انه كان مصدر علم ومعرفة وجود على الأمة فكم من مسالة عويصة حلها وكم من شبهة أزاحها وكم من حاجة قضاها فالمفروض على الامة والحكومة ان تضعه في حدقة عينها وتحفظه من كل سوء وتلتف حوله لتستقي العلوم والمعارف لكن هناك من غلبت عليه خصال الشر فاوردته المهالك وجعلت منه أداة لقتل هذا الامام الجواد عليه السلام
واذكر أهم ثلاث خصال دفعت بهؤلاء الى قتل الإمام ع وهي:
*حب_السلطة والاستئثار بها:*
وهو السبب الغالب في جرائم الحكام فهم يرون المنصب مكسبا لا مغرما ويردون الحفاظ على تلك المكاسب ونسوا انهم ان بقيت لهم فلن يبقوا لها، فاين الملوك بعد الملوك… وبهذا السبب قتل معاوية الامام الحسن ع وقتل يزيد الإمام الحسين ع وقتلوا الأئمة عليهم السلام لان الحكام يرون فيهم ضدا نوعيا وخطرا على مصلحهم ونفوذهم
روى المأمون عن أبيه هارون اللارشيد أنه قال لبنيه في حق الإمام موسى الكاظم ع : هذا إمام الناس ، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده، أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وإنه والله لاحق بمقام رسول الله ( ص ) مني ومن الخلق جميعا ،ووالله لو نازعني في هذا الامر لآخذن بالذي فيه عيناه فان الملك عقيم . ورحم الله الشهيد الصدر إذ يقول لطلبته هل جربنا ان يكون لنا ملك هارون ولا نقتل الامام موسى الكاظم ع وها نحن نرى كيف يتصرف من ينسب نفسه الى السيد الصدر باستئثار ونهب للمال العام وظلم للناس…
*الغيرة:* الإرشاد رَوَی: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ (زوجة الامام) کَتَبَتْ إِلَی أَبِیهَا مِنَ الْمَدِینَةِ تَشْکُو أَبَا جَعْفَرٍ ع وَ تَقُولُ إِنَّهُ یَتَسَرَّی عَلَیَّ وَ یُغِیرُنِی فَکَتَبَ الْمَأْمُونُ یَا بُنَیَّةِ إِنَّا لَمْ نُزَوِّجْکِ أَبَا جَعْفَرٍ ع لِنحْرُمَ عَلَیْهِ حَلَالًا وَ لَا تُعَاوِدِی لِذِکْرِ مَا ذَکَرْتِ بَعْدَهَا .. وهناك روايات أخرى تشير الى انها كانت تحرض أباها المأمون ضد الإمام عليه السلام بسبب فرط غيرتها، ولعل بعضنا يتسائل هل يعقل ان تصل الغيرة بالمراة الى قتل زوجها والجواب اننا سمعنا عن جرائم نساء دفعتهن الغيرة الى قتل ازواجهن فالغيرة قد تعمي ضمائرهن عنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع غَيْرَةُ النِّسَاءِ الْحَسَدُ والْحَسَدُ هُوَ أَصْلُ الْكُفْرِ إِنَّ النِّسَاءَ إِذَا غِرْنَ غَضِبْنَ وإِذَا غَضِبْنَ كَفَرْنَ إِلَّا الْمُسْلِمَاتُ مِنْهُنَّ وجاءت امراة الى مسجد النبي ص والقت ما عليها من ستر وجاء رجل يعدو خلفها، فَقَالَ له رسول الله -صلى الله عليه واله وسلم- : مَا هِيَ مِنْكَ فَقَالَ زوجتي يَا رَسُولَ اللَّه خَلَوْتُ بِجَارِيَتِي فَصَنَعَتْ مَا تَرَى، فَقَالَ له (صلى الله عليه واله وسلم) ضُمَّهَا إِلَيْكَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْغَيْرَاءَ لَا تُبْصِرُ أَعْلَى الْوَادِي مِنْ أَسْفَلِه
ومما زاد في خبث هذه المرأة جهلها، وبقائها على الهوى العباسي لأهلها، فتواطأت مع عمها خليفة أبيها المأمون أبو إسحاق محمد بن هارون الملقب بالمعتصم العباسي ودست للإمام ع السم فهي خير من ينفذ هذه لجريمة النكراء دون علم احد ولا إثارة الرأي العام.
*الحسد:*
قال لله سبحانه:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فعن الباقر وال
محمد عقيل, [١٢.٠٨.١٨ ٠٩:١١]
صادق عليهما السلام
الْمَحْسُودُونَ .
وكان يتمثل في حسد الحكام لما يرونه من منزلة ومقام لهؤلاء العلماء ورثة الأنبياء ومنزلة متنامية رغم كل محاولاتهم لتشويه مبدا الإمامة والإساءة للإمام عليه السلام
وحسد الوجهاء وعلى راسهم بعض العلماء
وقد تعرض الإمام الجواد ع لمثل هذا الحسد، فالإمام كان يتعرض إلى حملات تشويه وتشكيك بإمامته لصغر سنه فكانت مناظراته لعلماء الدولة وأجوبته (التي يستلها بطريقة أذهلتهم وأعجزتهم على مسائل اختلفوا فيها مثل قطع يد السارق) تثير في نفوس فقهاء الدولة وحاشيتها الضغينة على الإمام عليه السلام، لأنها أثبتت علمه وفضله، خلافا لما كانوا يشيعون في اوساط العامة.
هؤلاء كانوا يريدون الاستحواذ على قلوب العامة وقلب الخليفة باسم الدين الشريف، فاضمروا للإمام الحسد والشنآن وحملهم ذلك على السعي بالإمام إلى قتله، ومنها مسالة قطع يد السارق التي اختلف فيها الفقهاء واستدل كل فريق بدليل من القران بقطع اليد من المرفق او الكرسوع، ولكن الإمام بين أن القطع يكون من اصل الأصابع بدلالة قوله تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) فاخذ المعتصم بقول الإمام عليه السلام واعرض عن اقوال فقهاء الدولة واصحاب النفوذ.
قال ابن أبي دؤاد (وهو فقيه وقاضي في عهد المأمون والمعتصم والواثق نسبوه الى الورع والعلم والأدب واشتهر بذلك في التراجم) يقول : قامت قيامتي وتمنيت أني لم أك حيا، ولم انم في تلك الليلة
وصرت إلى المعتصم بعد ثالثة فقلت :
إن نصيحة أمير المؤمنين علي واجبة وأنا أكلمه بما أعلم أني أدخل به النار ، قال : وما هو ؟ قلت : إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدين ، فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك ، وقد حضر مجلسه أهل بيته وقواده ووزراؤه وكتابه ، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه ، ثم يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بإمامته، ويدعون أنه أولى منه بمقامه ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء ؟ !
قال : فتغير لونه وانتبه لما نبهته له ، وقال : جزاك الله عن نصيحتك خيرا قال فأمر في اليوم الرابع فدس السم إلى الإمام عليه السلام….
لقد استشهد الامام الجواد منبع الجود والرحمة الذي شهد له الرواة بعلمه وكرمه وسماحته قضى وهو في ريعان شبابه بعد شدة معاناة حتى انه كان كلما رجع من الجامع يوم الجمعة رفع يديه إلى السماء وهو عرقان مغبراً فقال : إلهي إن كان فرجي في موتي فعجّل وفاتي لساعتي ! وكان دائم الكآبة والغم حتى قضى نحبه
فحرمت الإنسانية من عطائه بسبب خبث هؤلاء وغلهم وحسدهم ونسوا أن الموت لابد منه وان ربك للطاغين لبالمرصاد
ان غلبة بعض الصفات على الإنسان تقلب كيانه وتدمر مصيره وتهبط به إلى أسفل سافلين فعلينا الحذر ولانتباه من هذه النفس الأمارة بالسوء فهي أعدى الأعداء وأضرهم ولولاها لما تمكن أي عدو أخر منا سواء كان الشيطان وغيره
اللهم اعنا على انفسنا وزكها فانت وليها ومولاها وخير من زكاها وصلى الله على ازكى الخلق الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا محمد واله الطاهرين
فائز المياحي من خطبة الجمعة
27 ذو القعدة 1439
10 /8/ 2008