س6: تعوّدنا منك سماحة الشيخ ومن خلال كتبكم (الأسوة الحسنة) و (دور الأئمة في الحياة الإسلامية) وغيرهما أن تركّزوا على الدروس المستفادة من سيرتهم (صلوات الله عليهم أجمعين) باعتبارهم المثل الأعلى الذي يُتأسّى به ولا تكتفون بالسرد التأريخي لحياة المعصومين فهل يمكنكم الإشارة إلى مثل هذه الدروس من حياة الزهراء (عليها السلام)؟
سماحة الشيخ: تحدثنا في ذلك الكتاب عن أهمية الأسوة الحسنة في أية رسالة إصلاحية ومنها رسالة الإسلام لإقناع الناس بها وإلا ما قيمة أن يعرض الإنسان كلاماً طيباً لكنه يخالفه في العمل، ولذا كان دور أهل البيت (عليهم السلام) عظيماً في تثبيت عقائد الإسلام وأحكامه والحفاظ عليه لأنهم جسّدوا الشريعة على أرض الواقع.
وهكذا كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) أسوة حسنة للعالمين جميعاً من الرجال والنساء، وسيرتها المباركة غنية بالدروس والعبر، وفيها الكثير مما يطلبه التواقون إلى الصعود في مدارج الكمال:
(الأول) فناؤها في ربّها وإخلاصها في طاعته تبارك وتعالى وبلوغها أعلى مراتب المعرفة، لأن منازل الناس تتفاوت في الجنان على قدر معرفتهم بربهم –كما في الحديث الشريف- وقد بلغت أعلى المراتب بعد أبيها وزوجها (صلوات الله عليهما) وكانت تفرّغ لعبادتها الكثير من وقتها، روى الإمام الحسن (عليه السلام) لأخيه الحسين (عليه السلام) قال: (رأيت أمي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح)([9]).
ويقول الحسن البصري: (ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة كانت تقوم حتى تورم قدماها)([10]).
ومن كلماتها (سلام الله عليها): (من أصعد إلى الله خالص عبادته أهبط الله عز وجل عليه أفضل مصلحته)([11]).
ومن نتائج هذه المعرفة المتكاملة بالله تعالى الإعراض عما سواه كما وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقين: (عظُم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم)([12]) لذا عاشت فاطمة (عليها السلام) زاهدة في دنياها ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشجعها على ذلك؛ عن الإمام السجاد (عليه السلام) قال: (حدّثتني أسماء بنت عميس قالت: كنت عند فاطمة جدتك إذ دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي عنقها قلادة من ذهب كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) اشتراها لها من فيء له فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يغرّنك الناس أن يقولوا بنت محمد وعليك لباس الجبابرة، فقطّعتها وباعتها واشترت بها رقبة فأعتقتها فسرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك)([13]).
(الثاني) الالتزام الدقيق بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أبوها، قالت أم المؤمنين عائشة: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاّ ً وهدياً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قالت: وكانت إذا دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قام غليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها)([14]).
وكانت (صلوات الله عليها) لا تكتفي بإتيان ما ترغب فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) واجتناب ما يكرهه (صلى الله عليه وآله وسلم) بل إنها تتحرك للامتثال لمجرد علمها برغبته (صلى الله عليه وآله وسلم) وإرادته وإن لم يعبّر عنها، فقد روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قدم من سفر وكان أول ما يأتي إلى دار فاطمة فيسلم عليها وكانت (عليها السلام) قد علّقت ستراً وزينة احتفالاً بقدوم أبيها وزوجها (صلوات الله عليهما) فعرفت في وجهه عدم الرضا فتصدقت بالستر والزينة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (فعلت فداها أبوها -ثلاث مرات-، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى فيها كافراً شربة ماء)([15]).
(الثالث) طاعتها لإمامها وهو زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) ودفاعها عن حقه ونصرته بكامل ما تملك ومواقفها بعد وفاة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خير دليل على ذلك.
(الرابع) علاقتها بأسرتها، فقد جسّدت في علاقتها مع زوجها الحديث الشريف: (جهاد المرأة حسن التبعّل) وبذلت غاية الوسع في خدمة البيت والأسرة وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يذكر لها ذلك، واستشهدته عندما دنت منها الوفاة وقالت له: (يا ابن العم هل عهدتني كاذبة أو خائنة مذ عاشرتني؟ قال (عليه السلام): أنت أبرّ وأوفى من أن أوبّخك بكلمة يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقد عزّ علي فراقك)([16]).
وأحسنت تربية أولادها وكانت تبعث الحسنين (عليهما السلام) مع أبيهما أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مسجد جدهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتسألهما إذا عادا عن كل ما قال أو فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت تعينهما على طاعة الله تبارك وتعالى، ففي كتاب مفاتيح الجنان في أعمال ليلة القدر أنها كانت تنيمهما في النهار مقداراً ليقويا على إحياء الليل بالعبادة، وكانت تخاطبهما: يا ولدي ويا قرة عيني، فخلقت أجواء غاية في السعادة والانسجام داخل الدار مع صعوبة الحياة يومئذٍ وشدة الحاجة والمحن التي مرّت على المسلمين في صدر الإسلام.
(الخامس) وضربت أروع الأمثلة في العفة والحياء فقد روي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال علي (عليه السلام): استأذن أعمى على فاطمة (عليها السلام) فحجبته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لها: لم حجبتيه وهو لا يراك؟ فقالت (عليها السلام): إن لم يكن يراني فإني أراه وهو يشم الريح، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أشهد أنك بضعة مني).
وبهذا الإسناد قال: (سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه عن المرأة: ما هي؟ قالوا: عورة، قال: فمتى تكون أدنى من ربها؟ فلم يدروا، فلما سمعت فاطمة (عليها السلام) ذلك قالت: أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن فاطمة بضعة مني)([17]).
وروى علماء الشيعة والسنة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لها: (أي شيء خير للمرأة؟ قالت: أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل، فضمها إليه وقال: ذرية بعضها من بعض)([18]).
(السادس) إظهار كرامة المرأة في الإسلام، ومن معالم ذلك كفاية مؤونتها على الرجل، قال الإمام السجاد (عليه السلام) في دعاء مكارم الأخلاق: (واكفني مؤونة الاكتساب، وارزقني من غير احتساب، فلا أشتغل عن عبادتك بالطلب، ولا أحتمل إصر تبعات المكسب) وبهذا الصدد روى الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه الباقر (عليه السلام) قال: (تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه، قال: فقالت فاطمة: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحمل رقاب الرجال)([19]).
(السابع) اعتماد أسلوب الحوار والمحاججة والوسائل السلمية للمطالبة بالحقوق عند من يحترم هذه الأساليب وهذا ما تكشفه خطبها على أصحاب أبيها (صلى الله عليه وآله) المملوءة بالحجج الدامغة المستندة إلى كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله).
(الثامن) تقديم المصلحة العليا وحفظ كيان المسلمين ودولة الإسلام على المصالح الشخصية فعندما غُصبت حقوقها وزوجها (سلام الله عليه) ولم تُجدِ الخطابات عُرضت عليهما النصرة بالخيل والرجال لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) علم أن مراد هؤلاء الفتنة وشق الصف في وقت كانت الأعداء والمرتدّون يتربصون بالمدينة وأهلها لنقض عرى الإسلام بمساعدة المنافقين في داخلها.
(التاسع) الإيثار على نفسها، ومن الشواهد على ذلك ما أنزل الله تعالى فيه سورة (هَلْ أَتَى) حيث تصدّقوا (سلام الله عليهم) بطعامهم وبقوا طاوين من الجوع ثلاثة أيام، وما ورد عن الإمام الحسن (عليه السلام) وهو يتحدث لأخيه الحسين (عليه السلام) عن أمهما فاطمة (عليها السلام): (وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أماه لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني الجار ثم الدار)([20]).
وغيرها كثير، ويجب أن نعترف بوجود التقصير الكبير مضافاً إلى القصور في التعريف بالزهراء (عليها السلام) ولو أجريت كشفاً بما كتب عن الزهراء (عليها السلام) للتعريف بها وبسيرتها المباركة والتأسي بها لوجدت أنه مقدار ضئيل، مضافاً إلى التقصير العملي وأعني تجسد حياة الزهراء (عليها السلام) على أرض الواقع.
لكنني متفائل بهذه الصحوة العالمية المباركة تجاه قضية الزهراء ولا شك أنها فتح عظيم وتساهم بدرجة كبيرة في إعادة الحق على نصابه والتمهيد للدولة الكريمة والله ولي التوفيق.
المصدر / مقتبس من اللقاء الذي اجرته قناة الفرقان مع العالم والمفكر سماحة الشيخ محمد اليعقوبي دامت بركاته