المحبة هي التي تجذب الزائر للمسير إلى مرقد الحسين عليه السلام مشياً على الأقدام، وتجعله يشتري الخوف والخطر ومشقّة الطريق بنفسه، فزيارة سيد الشهداء لها ثواب جزيل.
إن المشاة العاشقين الموالين للحسين لم يبتغوا من إقامة هذه المراسيم مالًا ولا حاجةً ولا إيفاءً لنذر ولا رياءً ولا طمعاً ، وإلا لماذا تهون عندهم النفس والمال والوقت وتوقف العمل غير هيابين بالمخاطر التي تحيق بهم أنه العشق الصريح والمواساة الحقيقية .
وقد أكد عليها الأئمة ، في روايات عديدة
الأولى: قوله عليه السلام: « مَنِ اغتسل في الفُرات، ثمّ مشى إلى قبر الحسين عليه السلام، كان له بكلِّ قَدمٍ يَرفَعُها ويَضَعُها حَجّةٌ مُتقَبَّلةٌ بمناسكها »
الثانية: قوله عليه السلام: « مَن أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً، كتَبَ اللهُ له بكلِّ خُطوَةٍ وبكلِّ قَدَمٍ يَرفَعُها ويَضَعُها عِتْقَ رقبةٍ مِن وُلدِ إسماعيل » .
ثمّ يأتي عنوان: دعاء الإمام الصادق عليه السلام لزُوّار الحسين عليه السلام، مرويّاً عن معاوية بن وهب، وكان دخل على الإمام فسمعه يناجي ربَّه ويقول:
« يا مَن خَصَّنا بالكرامة، ووَعَدَنا الشفاعة … اغفِرْ لي ولإخواني، وزُوّارِ قبرِ أبي، الحسينِ بن علي، صلوات الله عليهما، الذين أنفقوا أموالَهم، وأشخصوا أبدانهم؛ رغبةً في بِرِّنا، ورجاءً لِما عندَك في صِلتِنا، وسُروراً أدخلوه على نبيِّك محمّدٍ صلّى الله عليه وآله، وإجابةً منهم لأمرنا، وغَيظاً أدخَلُوه على عدوِّنا، أرادوا به رِضوانَك، فكافِئْهم عنّا بالرضوان… اللّهمّ إنّ أعداءَنا عابُوا عليهم خروجَهم، فلم يَنْهَهُم ذلك عن النهوض والشخوص إلينا، خلافاً عليهم، فارحَمْ تلك الوجوه التي غَيّرتْها الشمس، وارحَمْ تلك الخُدودَ التي تَقلّبَت على قبرِ أبي عبدالله عليه السلام، وارحَمْ تلك الأعيُنَ التي جَرَت دموعُها رحمةً لنا، وارحَمْ تلك القلوبَ التي جَزِعت واحتَرقَت لنا، وارحَمْ تلك الصرخةَ التي كانت لنا… » .
قال الصادق عليه السلام: “من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي عليه السلام إن كان ماشيا كتبت له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة…”(بحار الأنوار 98: 28، المزار للشيخ المفيد: 30).
كان أحد الشيعة يزور الحسين في كلّ شهر وبشكل مستمر، ولكن العجز والشيخوخة منعته مرة عن الذهاب، ولما وصل في المرة اللاحقة بعد عدّة أيام من المسير على الأرجل وسلم وصلى صلاة الزيارة رأى في المنام أن الحسين يقول له: لم جفوتني وكنت لي بَرّاً؟ وهكذا يعكس مدى الأهمية التي يوليها الأئمة للزائر مشياً.
وهذه السُنة، سنّة الزيارة مشياً على الأقدام، كانت منذ زمن الأئمة ولا والت إلى يومنا هذا، ونُقل أن لها ثوابا لا يحصى. قال فاضل الدربندي: “أن الزيارة مشيا إما أن تكون عن فقر الزائر فهي دليل على عمق الشوق والمحبة، وإما أن الزائر يرى صغر نفسه أمام شمس العصمة والشهادة، ويتحمّل في سبيله ألم ومتاعب السفر ماشيا، وكلاهما أمر جليل”.
وفي العراق هنالك تقليد شائع منذ سنوات وهي أن الهيئات والمجاميع والقوافل، صغيرة وكبيرة، تنطلق في أيام خاصة من البصرة وبغداد، ومن النجف على وجه الخصوص متوجهة إلى كربلاء سيرا على الأقدام، ولا سيما في أيام الزيارة الخاصة كزيارة النصف من شعبان، والأول من رجب، وأيام عشرة محرم والأربعين حيث تكون أكثر أبهة ورونقا، ويختار أغلب الناس المسير بمحاذاة نهر الفرات الذي تكون فيه المسافة من النجف إلى كربلاء 18 فرسخاً، وتستغرق عدة أيام، وتجري في هذه الشعائر عادة نشاطات إعلامية ولقاءات مع القبائل، وتطرح فيها شعارات، وتُقرأ فيها المراثي.