إذا كنتَ عبدًا لله فسربيك الله على الاستقلالية
لا نقولن: “قُتِل الإمام الحسين(ع) من أجل الصلاة”. صحيح أن الصلاة ركن ركين للدين ومهمة للغاية، لكن تعسًا للمصلين الأذلاء عديمي الاستقلال عبيد الطاغوت! فلتلعنهم صلاتُهم! ما فائدة صلاتهم هذه؟! عبدُ من أنت وتصلّي؟! تهاب عدو الله ثم تقف للصلاة! هذا الكلام من صنف الكلام الصريح الذي يقلب موازين البعض فجأةً رأسًا على عقب. فالمُنجمدون على الألفاظ يصيبهم هنا “عَطَب فجائي في المحرك!” وتختل موازينهم.
دينيًّا يعبَّر عن استقلال الإنسان بـ”الإخلاص”، والعمل من دون إخلاص غير مقبول دينيًّا، فهو إذن غير ذي قيمة. لماذا تنتاب البعضَ رِعدةُ خوف من هذا الكلام؟! الإخلاص هو أن لا تكون عبدًا لغير الله تعالى، وأن يكون الدافع لأفعالك هو الله وحسب. حسنٌ.. إلهي، إذا كان دافعي هو أنت فقط، أي إذا صرتُ مستقلًا عن الأغيار ولم أعد عبدًا ذليلًا لهم، فهل يجب أن أصبح عبدك وذليلًا لك؟!
التفتوا، هنا السر.. إذا كنتَ عبدًا، وذليلًا، وتبَعًا لله فإنه تعالى يعلم كيف يربّي عبده. ماذا سيصنع؟ سيربيك على الاستقلالية. إنه سيصدر الأوامر ويعاقب بالطريقة التي يحفظ بها استقلالك، بل يربيك على نهج الاستقلال. وسنتحدث في الليالي القادمة، إن شاء الله، عن أنه كيف يعمل الله عز وجل من خلال دينه على استقلال عبده. إن جنسَ طاعة الله يختلف أساسًا عن جنس طاعة غيره، بل إن نمط توجيه الله للأوامر يختلف عن نمط توجيهها من غيره. وسنحاول الكشف عن هذه الأسرار حتى آخر ليلة من مجلسنا هذا.. فلو كنتَ مؤمنًا مُسلمًا مُصلّيًا لكن لم تطّلع على هذه الأسرار فمن غير الواضح أنك إلى أين تتوجه!
لقد غربل الإمام الحسين(ع) أصحابَه في الطريق إلى كربلاء. بل عمد ليلةَ عاشوراء أيضًا إلى سراج خيمته فأطفأه مخاطبًا إياهم: من شاءَ فليرحل…! لم يشأ أبو عبد الله(ع) أن يكون لديه أصحابًا كأصحاب أبيه أمير المؤمنين وأخيه الحسن(ع). كان يريد أصحابًا خُلَّصًا، أصحابًا مستقلين. بل جعلهم مستقلين عن نفسه كذلك قائلًا لهم: «فَانطَلِقوا جَميعًا في حِلٍّ، لَيسَ عَلَيكُم مِنّي ذِمام» (وقعة الطف/ ص197)… ما أصعبه من أمر! لو كنتم مع الإمام الحسين(ع) في مُخيّمه أكنتم ستطيقون قولَه(ع) لكم: إن شئتُم فارحلوا؟….
سماحة الشيخ بناهيان