[القسم الثالث]
النقطة الخامسة: في معنى الغرّة، ويحتمل فيها أمور:
الأول: أن يكون معناها الغرور بالدنيا والاعتماد عليها، فيكون معنى كلامه (عليه السلام) أن ما يمنعكم من الموعظة الاغترار بالدنيا أو بطول العمر، فلو تركتم الدنيا وقصر أملكم لتحققت واتصلت الموعظة في نفوسكم. أو الاغترار بالنفس والإعجاب بها فمن أعجب بنفسه لم يصغ للموعظة من الآخرين، إذ لا بد من التواضع للواعظ والانتباه والإصغاء التام له من قبل المتلقي، فإذا كان المتلقي معجباً بنفسه لم يصغ للآخرين ولم يستفد من كلامهم.
الثاني: المفاجأة، يقال أخذه على غرّة، أي بغتة، وقد يرجع هذا المعنى إلى الأول فإن الحَذِر لا يؤتى بغتة وإنما المغتر المستريح إلى النوم والشواغل هو من يباغت، فيكون معنى الإمام (عليه السلام) أن ما بينكم وبين الموت إلا أن يأتيكم بغتة فيفاجئكم فترون العبرة والموعظة الحقيقية بعد غفلتكم عنها. وقد تكون الحوادث المؤلمة والعقوبات من الموعظة تأتي للإنسان الغافل فتنبهه.
والموت موعظة تكويناً وانتقال معرفي كما قلنا في بحوث سابقة وأنه اليقين بالآخرة، فكل موعظة منه بطريقة تكوينية أو لكونه يسبب قصر الأمل وعدم الاغترار بالدنيا.
كما أن الإنسان إذا أحسّ ببأس الله قبيل الموت سيشعر بموعظة كبيرة تحدثت عنها بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى: [وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14)] (الأنبياء)، فتتجلى لهم في تلك الحال آية عظيمة تقصمهم وتهلكهم كما أهلكت القرون الأولى.
الثالث: أن تكون الغرة التي تستعمل في الاغترار والانخداع مأخوذة من أصل أسبق وهو الركون والاستقرار، أو التجرع والتلذذ كما يقال لمن يغرغر الماء في فمه، فمن ركن إلى الدنيا وأقبل يتلذذ بها خفيت عليه الموعظة.
ويصلح أن تكون الغرة بمعنى الرضا بقليل من المعرفة والانشغال بها عما هو أهم وأوكد.
والكلام في هذا الموضوع يطول ولذا سنترك بقيته إلى فطنة المؤمنين
معرفة النفس
عماد علي الهلالي
يمكنك الاشتراك أيضا على قناتنا في منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية