(صوم اللسان خلق المؤمن)
اللسان من عظيم نعم الله تعالى على الإنسان ولطائف صنعه به، وهذه الجارحة مسؤولية كبرى على عاتقه، فمن صان لسانه وصقله وأحسن استخدامه فيما أحلّ الله تعالى، كان من طرقه إلى رضوان الله وجنته، ومن تركه على هواه، كان من مسالكه إلى العذاب والشقاء، لذلك أكد النبيّ صلى الله عليه وآله وشدد في خطبته الغرّاء في استقبال شهر رمضان، على ضرورة تهذيب جارحة اللسان في طول إرشاده لتهذيب بقية الجوارح كالعين والأذن، قال صلى الله عليه وآله: (واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لا يحلّ النّظر إليه أبصاركم، وعمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم)
علاقة اللسان بالقلب
أنّ محل الإيمان ومستودعه في القلب، واللِّسان ترجمان هذا القلب، وكاشف عما فيه، فما يترجم على اللِّسان في الأعم الأغلب هو انعكاس لما يُضمر في القلب، واستقامة اللِّسان كاشف عن استقامة القلب، والأخيرة كاشف عن استقامة الإيمان، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه..) ( بحار الأنوار، المجلسي، ج 86، ص 292)
صوم جارحة اللسان
هو سيطرة الإنسان على لسانه، ومنعه من إطلاق الكلمات والأحاديث التي تسيء للآخرين، وتشوه سمعتهم، وعدم إطلاق العنان له للحديث دونما ضوابط و محددات، فيكف عن مثلِ الكذبِ والغيبةِ والنميمةِ والبهتانِ والسُخريةِ والتنابزِ بالألقابِ والشتيمةِ وما شاكل ذلك، لأن إطلاق عنان اللسان فيما لا يُرضي؛ يعتبر من السلوكيات الضارة التي لا يمكن تقبلها في أي مجتمع، لشدة الضرر الناتج عنها، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (واحفظوا ألسنتكم) (بحار الأنوار، المجلسي، ج93 ص357)، (وورد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله سمع امرأة تسبّ جارية لها وهي صائمة، فدعا رسول الله بطعام، وقال لها: كلي، فقالت: أنا صائمة يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لها: “كيف تكونين صائمة، وقد سببت جاريتك؟ إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب) (بحار الأنوار، المجلسي، ج 94، ص351)
من ضوابط جارحة اللسان
1 _ المراقبة الدائمة: فاللسان من أكثر الجوارح خطورة، ويحتاج إلى مراقبة دائمة حثيثة، سيّما خلال الشهر الفضيل.
2 _ عدم الكلام إلا لحاجة وضرورة: إن السلوك الذي يجب اعتماده في التعاطي مع كل ما يجري في المحيط الاجتماعي على اختلاف بيئاته ودوائره هو عدم الإكثار من الكلام، بل السكوت والصمت إلا لحاجة أو ضرورة أو منفعة أو هدف معين، بخلاف ما هو سائد ومتوهم من أنّ الإنسان يجب أن يتكلم في كلّ شيء، سواء فيما يعنيه أو ما لا يعنيه، فأحياناً يكون الصمت نجاة وسلامة ووقار وحاجز دون الإثم والمعصية، وخصلة من خصال الإيمان والورع والحكمة التي جعلها النبيّ صلى الله عليه وآله أفضل أعمال الشهر.
3 _ تجنب القول القبيح أي الكلام الجارح والبذيء الفاحش، وتحلية اللسان دائماً بالكلام الحسن والعفيف، روي عن رسول اللَّهِ أنه قال: (إيّاكُم والفُحشَ؛ فإنّ اللَّهَ عَزَّ وجلَّ لا يُحِبُّ الفاحِشَ المُتَفَحِّشَ (بحار الأنوار، المجلسي، ج 76 ص110 ح 1)، وعنه صلى الله عليه وآله قال: (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الحَيِيَّ المُتَعَفِّفَ، ويُبغِضُ البَذِيَّ السائلَ المُلحِفَ) (الأمالي للطوسي، ص : 39 _43)
ومن مصاديق قبح القول: السب والشتم، وقد نهي عنه في الجملة؛ لأنه يؤدي إلى العداوات والخصومات والأحقاد بين الناس، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (لا تَسُبُّوا الناسَ فَتَكتَسِبُوا العَداوةَ بَينَهُم) (الكافي، الكليني، ج2 ص 360 ح 3)، و عنه صلى الله عليه وآله: (ما كان الفحش في شئ قط إلا شانه..).
وقد يسبب الفحش من القول حرمان الإنسان من حب الله تعالى، وذلك لمبغوضيته، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (إياكم والفحش، فإن الله عز وجل لا يحب الفاحش المتفحش)، وعنه صلى الله عليه وآله: (إن الله لا يحب كل فاحش متفحش)، ومن الخلق الرفيع وحسن الأدب أن الإنسان يعتاد على مجاملة الناس بالكلام الحسن كما يحب أن يكلموه، روي عن الإمام الباقر عليه السلام: (قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين، الفاحش المتفحش، السائل الملف)) (ميزان الحكمة، الريشهري، ج 3 ص 2376)
4_ تجنب بقية الآفات اللسانية، ومنها:
أ _ الكذب: روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا صُمتم فاحفظوا ألسنتَكم عن الكذب)
الذي يكذب صنفان:
أولاً: المعتاد على الكذب، الذي أصبح الكذب عنده أمراً مستحسناً غير مستقبح مع بالغ الأسف، وإن كان مصلياً وصائماً، ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: (أعظم الخطايا اللسان الكذوب) (بحار الأنوار، المجلسي، ج74ص 135)
ثانياً: الذي لم يعتاد على الكذب، لكنه يذهب إلى الكذب أحياناً في بعض شؤونِه الحياتية.
العلاج لكليهما
تبدأ فرصة العلاج في شهر رمضان، فهو فرصة تغيير السلوك، وتغيير أخلاقيات الشخصية، وتشذيبها مما اعتادت عليه من النقائص، وإزالة ما تلبس في طبائعها من الشوائب، كاعتياد الكذب بكلتا حالتين، لأن الصوم الحقيقي؛ هو صوم الجوارح بترويضها وتهذيبها، وهذا معنى (احفظوا ألسنتَكم)، فالإنسان المؤمن الصائم هو من يتدرب على ورع جارحة اللسان في شهر رمضان، ويراقب نفسه قبل الكلام، فلا يصدرُ منه قولٌ حتى يتثبَّتَ من حقيقته وصدقِه، وهذا هو معنى حفظِ اللسان عن الكذب.
ب _ المماراة: قال النبي صلى الله عليه وآله: (ولا تماورا)
المراء والمماراة رذيلة أخلاقية: وهي المجادلة والخصومة من أجل إظهار الغلبة للنفس على المقابل والخصم
في الطرف الآخر.
بعض ما يقوم به المماري لينتصر لرآيه:
1. التمرد عن قبول الحق حال ظهوره
2. العمل بكل وسيلة ليثبت صحة ما يتبناه من رأي، كالصوت المرتفع، والقيام والجلوس، وإثارة الجلبة.
3. الكذب و الغيبة والنميمة والتدليس وإساءة الأدب.
4. الحط من قدرِ الطرف المقابل بمختلف الأساليب الشائنة كالانتقاص من فهمه أو تحقير شخصيته، أو الطعن في تصرفاته.
قال تعالى في قصة أصحاب الكهف: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} (الكهف :22)، لأن الهدف المرجو من هذه القصة هو الموعظة والعبرة، وليس إثبات الأمور التي لا فائدة مؤثرة فيها.
وقد نهى القرآن الكريم عن هذا الأسلوب لأنه ليس بصدد البحث عن الحقيقة أو التنضيج لرأيٍ معين، وإنَّما هو بصدد البحثِ عن انتصار رخيص لذاتِه، ودعا إلى إختيار الأسلوب البديل الذي لا يقوم على آثار سيئة، والبديل الناجح هو المجادلة بالحسنى، قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل:125)
المراء في الأحاديث الشريفة:
رُويَ عن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله أنه قال: ( … وَ أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كَانَ مُحِقّا) (من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج4 ص395).
وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (ثَلَاثٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ، مَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ، وَخَشِيَ اللَّهَ فِي الْمَغِيبِ وَالْمَحْضَرِ، وَتَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً) (الكافي، الكليني، ج 2ص 300).
وعن أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: (إِيَّاكُمْ وَالْمِرَاءَ وَ الْخُصُومَةَ فَإِنَّهُمَا يُمْرِضَانِ الْقُلُوبَ عَلَى الْإِخْوَانِ وَ يَنْبُتُ عَلَيْهِمَا النِّفَاقُ) (الكافي ، الكليني، ج2 ص 300).
وعن الإمام الصادق عليه السلام: (لَا تُمَارِيَنَّ حَلِيماً وَلَا سَفِيهاً فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَقْلِيكَ (يبغضك و يكرهك) وَالسَّفِيهَ يُؤْذِيكَ) (الكافي، الكليني، ج 2 ص301).
وعن الإمام الهادي عليه السلام: (الْمِرَاءُ يُفْسِدُ الصَّدَاقَةَ الْقَدِيمَةَ، وَيَحُلُ الْعُقْدَةَ الْوَثِيقَةَ، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمُغَالَبَةُ أَمْتَنُ أَسْبَابِ الْقَطِيعَةِ) (نزهة الناظر و تنبيه الخاطر، بن نصر الحلواني، ص139).
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على محمد وآل محمد الطيبين
للكلام صلة في الحلقة 5
الشيخ عمار الشتيلي
النجف الأشرف
4_ شهر رمضان _1445 هج
يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية