في خطبة الجمعة المباركة ألقى الشيخ توفيق علوية خطيب مسجد الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف ،في جبل عامل
يقول الله المتعال :{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}
لقد مدح الله المتعال الامة بشروط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروط اخرى .
عندما نبذت الامة الشرك وانتفضت على المشركين وعلى اوابدهم ومخازيهم ومعايبهم بالرغم من قلة عددهم وشبه معدومية عدتهم ، مدحها لاجل امرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وايمانها بالله المتعال ، ولكن عندما تنخرم صفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنثلم فإن الامة لا يكون فيها خير بل يكون الشر فيها وامرها يكون في سفال وسفال وانحدار وانحدار .
ان الذي حل بسيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام هو اعظم مؤشر على انحدار الامة وتسافل امرها وبلوغها الحضيض ، لماذا ؟ لانها تركت الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ! لانها سمحت للظالمين بأن يهجموا على بيت ابنة الرسول الاعظم ( ص) !! لانها سكتت عن كشف بيت ابنة رسول الله ( ص) من قبل الظالمين !! لأنها لم تحل بين الظالمين وبين ظلمهم لبنت رسول الله ( ص) .
نعم . لقد ذهب شرط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لاجله مدح الله المتعال الامة واعتبرها خير امة ، وبذهاب هذا الشرط انقلب الخير الى شر .
ومن اعظم تكاليف الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يتمثل بردع الظالمين عن بيت فاطمة الزهراء ( ع) والحيلولة دون ظلمها وكشف بيتها وعدم السكوت عن ذلك البتة !!
ولكن الذي حصل واسفاه ان هذه المجموعة سمحت لهذا المقطع التاريخي العصيب بتلطيخ جبينها بالعار والشنار الى يوم القيامة ، وبسبب ترك امر بمعروف ونهي عن منكر هو شرط دوامها على الخير ترعرع نهج سفياني قام بقتل الحسين ( ع) وبقي يقتل ويقتل حتى وصل الى عصرنا هذا فقتل من قتل واحرق من احرق وهدم ما هدم .
” يستفاد من كتب اللغة، وكذا من موارد استعمال هذه اللفظة في القرآن الكريم، والتي تبلغ ٦٤ موضعا، إن الأمة في الأصل تعني الجماعة. فمثلا في قصة موسى نقرأ هكذا: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون} . أي يمتحون الماء من البئر لأنفسهم ولأنعامهم …كما نقرأ أيضا: {وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم }.والمعنيون بالأمة هم أهالي مدينة إيلة من بني إسرائيل.
ونقرأ حول بني إسرائيل {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما }.من هذه الآيات يتضح جيدا أن الأمة تعني الجماعة، ولا تعني الدين، ولا أتباع الدين ” .
فهذه الجماعة على ما تقدم هي خير ان عملت بصفات معينة كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر وان لم تعمل بهذه الصفات لا تكون خير امة بل تكون ارذل امة ، وعندها يستبدل الله المتعال هذه الجماعة التي تركت الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بجماعة اخرى تعمل بالمعروف وتنهى عن المنكر .
ولهذا كانت دعوة الله المتعال للمسلمين بان تكون من بينهم جماعة تدعو الى الخير وتامر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تتفرق في امرها . حيث قال الله المتعال : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
لاحظوا : ولتكن منكم ! اي جماعة منكم .
وكلما اتسعت هذه الجماعة بحيث شملت الجميع فتكون كلها خير ، واذا ضاقت ولم تشمل الجميع فيكون بعضها خير لا كلها ، واذا انعدمت هذه الجماعة من صفات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فتصبح كلها شر .
ان سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء ( ع) القت الحجة على الجماعة التي كانت شاهدة على هجوم الظالمين عليها ولم تحرك ساكنا ، ولم تامر بالمعروف ولم تنه عن المنكر ، ولم تنتفض بوجه الظلم ، ولم تكسر اصنام وتماثيل السلطة كما كسرت سابقا اصنام وتماثيل الشرك .
فقد ورد انه لما اشتد مرض فاطمة بنت رسول الله (ص) اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها: يا بنت رسول الله! كيف أصبحت عن علتك؟ فقالت ( ع) : أصبحت والله عائفة لدنياكم ، قالية لرجالكم ، لفظتهم قبل أن عجمتهم، وشنئتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد، وخور القناة ، وخطل الرأي، و {بئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون}.
وقالت عليها السلام في موضع اخر : (ولكن قدموا من أخره الله، وأخروا من قدمه الله، حتى إذا ألحدوا المبعوث، وأودعوه الجدث المجدوث، اختاروا بشهوتهم وعملوا بآرائهم، تبا لهم! أو لم يسمعوا الله يقول: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة} بل سمعوا ولكنهم كما قال الله سبحانه: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} .
ثم عدلت ( ع) إلى مسجد الأنصار فقالت: يا معشر البقية، وأعضاد الملة، وحضنة الإسلام! ما هذه الفترة عن نصرتي، والونية عن معونتي، والغميزة في حقي، والسنة عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله (ص) يقول: المرء يحفظ في ولده؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ما أتيتم ! الآن مات رسول الله(ص) أمتم دينه ) .
إن وجود الظالمين والمفسدين والفاسقين انما هو من إفرازات البيئة الفاسدة الخاملة الساكتة عن الحق والراضية بالظلم !!
وسيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام خاطبت هذه البيئة والقت عليها الحجة البالغة !! اذ كيف تسكت عن كشف بيت ابنة رسول الله ( ص) من قبل الظالمين ؟ وكيف تسكت عن تقديم من اخره الله المتعال وعن تاخير من قدمه الله المتعال ؟ وكيف تقبل ان يقوم فلان وفلان باختيار من تمليه عليه شهوته وما يامره به هواه حيث يتقمص قميصا ليس له ؟؟!!
ونحن بدورنا علينا الاقتداء بسيدتنا المظلومة فاطمة عليها السلام من خلال تنظيف بيئتنا واسرنا من الراضين بالكذب حتى لا تفرز الكاذبين ، ومن الراضين بالظلم حتى لا تفرز الظالمين ، ومن الساكتين عن السرقة حتى لا تفرز السارقين ومن الغاضين النظر عن القتل حتى لا تفرز قاتلين ، ومن المتعايشين مع الجريمة حتى لا تفرز المجرمين ، ومن المتآلفين مع شهادة الزور حتى لا تفرز شهداء زور ، ومن المتأقلمين مع النفاق حتى لا تفرز منافقين ، ومن الساترين عن الخيانة والعمالة حتى لا تفرز خونة وعملاء .
في محضر شهادة السيدة الزهراء ( ع) ينبغي للعالم الاسلامي ان يعقد مجمعا اسلاميا عاما يقدم فيه الاعتذار من محمد ال محمد عليهم الصلاة والسلام على الجريمة التاريخية بحق الزهراء عليها السلام ويعلن الإدانة لظالميها والبراءة منهم .
الا ترون كيف تتصرف الدول التي تبتزكم بمالكم ودمكم وحجركم وبشركم وكل خيراتكم ؟؟ انها تقدم الاعتذارات على الجرائم التاريخية وتتعهد بعدم تكرارها !! انظروا ماذا يفعل الالمان لليهود على محرقة مزعومة ! وكيف قدم الفرنسيون اعتذارهم وكتابات ندمهم على انتدابهم لدول كانت محتلة من قبلهم !! وكذلك يفعلون .
لماذا لا تحذون حذوهم لتطهير تاريخكم من ملوثاته وجرائمه بدلا من المفاخرة بتزكية ومدح وتفخيم من ظلم اهل البيت عليهم الصلاة والسلام ؟؟!!!