كتب الكاتب والباحث توفيق حسن علوية
بنحو او باخر وبالجملة نعيش ذكرى ولادة السيد المسيح عليه السلام المتولد من والدته مريم عليها السلام بمعجزة الهية نظير سائر المعاجز الالهية كخلق ادم عليه السلام بلا ابوين وغير ذلك .
وهناك غير واحد من الاقوال حول ميلاد المسيح عليه السلام ، كما قيل غير واحد من الاقوال حول مكان ولادته من قبيل انه ولد بييت لحم ، او انه ولد في كربلاء ، او بمنطقة براثا .
نعم بمعزل عن تلكم الاقوال وايها الصحيح ؛ فإننا بالجملة نعلم انه ولد في مكان ما وليس هناك اية خصوصية للزمان والمكان الا اذا اراد الله المتعال لهذا المكان خصوصية كولادة امير المؤمنين عليه السلام في الكعبة ، فإذا ما ورد في مصادرنا خصوصية شرعية استحبابية لزمان ومكان ولادة المسيح (ع) فنتعبد بها والا فلا ، وهذا بعينه ما نفعله بالخصوصيات الزمانية والمكانية عندنا .
فالمهم عندنا اذن ان المسيح عليه السلام ولد ، وولادته بنفسها لها مؤشرات ودلالات
وكيف لا وقد اهتم القران المجيد بها اهتماما كبيرا ؟! واهتمام القران بها يدعونا الى الاهتمام بها من ابواب شتى نظير ثواب تلاوتنا للقران ، ونظير ثواب التدبر في القران ، ونظير ثواب التذكر والتفكر في القران وغير ذلك .
ان ولادة المسيح عليه السلام وما صاحبها كما تم ذكرها في القران دلت على الكثير من الدلالات والمغازي .
ومنها تهيئة المقدمات لاعداد نسل طاهر اذ كانوا يظنون ان مريم (ع) نفسها هي الوليد المرتقب ولكن الله المتعال اراد اعداد الوليد المرتقب منها .
منها بيان مكانة المراة وشرف محادثة الملائكة لها ، فمحادثة الملاك لها وهي امراة من الامور العظيمة الدالة على عظمة المراة ومكانتها عند الله المتعال وفي الواقع والوجدان .
ومنها الاعجاز الالهي بولادة الوليد من غير اب ، وهذا وان كان مسبوقا باعجاز اعظم وهو خلق ادم ( ع) بلا ابوين الا انه يدل على ان هذه الشخصية لها امتياز خاص وخصوصية خاصة .
ومنها نطق الوليد لتبرئة امه من الفرية . فقد تم الافتراء على مريم عليها السلام وانحصر رد هذا الافتراء بشخص الوليد المبارك المسيح (ع) ، ولهذا كان اعجاز نطقه ( ع) . ومن ها هنا نعلم بان التدبير الالهي عندما يكون محصورا بالله المتعال ولا دخل للبشر فيه يكون شيئا مدهشا ، نظير تبرئة يوسف ( ع) عبر ذاك الطفل .
ومنها : ان للمسيح ( ع) له مقام الوجاهة دنيويا وله مقام القرب اخرويا .
ومنها : ان الله المتعال عبر عن المسيح (ع) بأنه كلمة ، وهي مستعملة في العهد القديم ، وهي اما بمعنى : كن فيكون . اي إرادة الهية متحققة وناجزة ، واما بمعنى ان البشارة بولادته اتت في كلمة الى امه ، واما بمعنى المخلوق ، اي ان المسيح (ع) مخلوق الله المتعال كما في قوله : { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي } اي لمخلوقات ربي ، والمسيح (ع) من المخلوقات غايته انه مخلوق عظيم .
وبالعموم سمي (ع) كلمة الله لانه منسوب الى الله المتعال نظير نسبة بيوت الله الى الله وسائر الكائنات الى الله المتعال ، فيقال : شجر الله ، وثمر الله ، وجبل الله ، وارض الله وهكذا .
ومنها : ان تسميته ( ع) بالمسيح ، اما لكونه ماسحا واما ممسوحا ، اما ماسحا فلانه بعلم الله سيمسح على المرضى ليشفيهم بموهبة الهية ، ولهذا يقال : مسحة رسول . واما ممسوحا فلان الله المتعال مسحه من كل اثم ومعصية وطهره ابتداء .
ومنها : ان بنوته لمريم ( ع) ونسبته اليها دليل على بشريته ونفي قاطع على عدم الوهيته لان الاله لا يولد والمسيح (ع) مولود . والمولود يطرأ عليه كل عوارض البشرية .
ومنها : ان وصف الله المتعال له بانه يكلم الناس في المهد وعند الكهولة فيه دلالات عظيمة من قبيل ان كلامه في المهد حق كما ان كلامه في الكهولة حق ، فهو على الحالتين معصوم ولا يتكلم الا بالحق ، وايضا من قبيل انه ( ع) سيظهر في اوان ظهوره وسيتكلم . والمهد هو مكان النوم بلا فرق بين كونه متحركا او ثابتا ، والكهولة كما ورد تتحقق في 33 سنة ، لان المسيح ( ع) رفعه الله اليه بهذا السن .
ومنها : ان الله المتعال وصفه بأنه من الصالحين ، والصلاح من اهم صفات الانسان .
ومنها : ان الله المتعال تحدث في قضية ولادة المسيح ( ع) عن عملية الخلق { يخلق ما يشاء } بينما في قضية ولادة يحي ( ع) تحدث عن عملية الفعل { يفعل ما يشاء } ، والنكتة واضحة هنا وهي ان الاول تم خلقه بواسطة ام فقط ، بينما الثاني كان ببركة الفعل الالهي من اب وام .
ومنها : ان الله المتعال وصفه بانه عالم بالكتاب والحكمة من خلال علمه بالتوراة والانجيل ، ويظهر ان علمه بالتوراة والانجيل من باب المصداق .
ومنها : ان الله المتعال وصفه بصاحب المعجزات والاعاجيب التي هي بإذن الله المتعال ، من قبيل احياء الموتى ، وابراء الاكمه ، وغير ذلك مما هو مذكور بالقران والاخبار الشريفة .
ومنها : ان الله المتعال اخبر عن المسيح ( ع) بانه جاء مصدقا للتوراة ورافعا للحظر عن بعض المحرمات التي كانت في العهد القديم من قبيل منع لحم الاباعر وبعض شحوم الحيوانات وبعض الطيور وبعض الاسماك وغير ذلك .
ومنها : ان الله المتعال اخبر عنه بانه عبدالله الذي اعطاه الكتاب وجعله نبيا ، وهو بعد بار بوالدته ، وليس من الجبابرة الاشقياء ، وهو بعد ممن جعله الله المتعال مباركا ومن اهل الصلاة والزكاة ، وهو الذي عليه السلام بيوم ولادته ويوم وفاته ويوم يبعث حيا .
بذكرى ميلاد المسيح (ع) وبمعزل عن توقيته الاصح على سائر البشرية الالتزام ببشارته بالرسول الاعظم محمد ( ص) لأن وظيفة المسيح (ع) الاساسية ربط أتباعه بمحمد وال محمد ( ص) .
بذكرى ولادة المسيح (ع ) يلزم معرفة أدواره فمنها نزوع الناس بعصره عن الاستغراق بالماديات ، ومنها ربط الناس بالدعوة المحمدية ، ومنها رفد المشروع المهدوي بعودة المسيحية الى أصالتها .
انني ومن منطلق حرصي على المسيحيين ادعو ارباب المسيحية ومدراء دفتها لاعطاء العقل حيزا مهما في عملية فهم الدين ، وعدم ترك الدين المسيحي باكمله فريسة للاسرار السبعة او الاسرار المختلف عليها بين الكنائس ، وذلك لاننا رأينا انهم يعملون على تعديل بعض المبادئ كرمى عيون السياسة فمن الاحرى ان تعمل على التعديل على ضوء العقل والفكر السليم .
وفي خاتمة هذه المقالة لا بد من ذكر نقطة مهمة في مجال تصديق القران المجيد بالمسيح (ع) وولادته من دون اب : إن القران الذي تحدث عن المسيح ( ع) المولود بلا اب ، وصاحب المعجزات الباهرات ، والوجيه في الدنيا والمقرب في الاخرة هو نفسه المسيح (ع) المبشر بالرسول الاعظم محمد ( ص) ، واذا ما لم تتم عملية الربط بين شخصية المسيح المولودة بلا اب وبين البشارة بالرسول الاعظم (ص) فإننا لا نعترف بمسيح لم يبشر بمحمد (ص) !!
والمسيح اللا مبشر بمحمد ( ص) هو من جملة المسحاء الدجالين الذين اخبر عنهم المسيح (ع) نفسه في الانجيل .وهذه النقطة استلهمناها من وحي كلام الامام علي بن موسى الرضا ( ع) في احتجاجه على راس من رؤوس النصارى في عصره .
اننا ندعو اتباع المسيحية الى لقاء فكري بحثي عام لايجاد كلمة سواء بيننا كما امرنا القران بذلك : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ } .
ونحن بدورنا لا نستطيع كمسلمين اهمال قضية ولادة المسيح ( ع) لانها مذكورة بالقران وفي غير واحد من الموارد ، كما انها مذكورة بكثرة في الاخبار الشريفة ، وعلينا الاستفادة العلمية والعملية من قصة هذه الولادة ، وقد تقدم ذكر المستفاد من هذه الولادة المذكورة في القران لاسيما في قضية التوحيد ونفي البنوة لله المتعال ونفي التجسد ونفي الصلب وغير ذلك ، اما عمليا فينبغي التأمل مليا بالجوانب العملية مع هذه الولادة التي منها البر بالوالدين ، والاهتمام بالصلاة التي هي بمثابة المشجع على فعل كل معروف وترك كل منكر ، والاهتمام بالزكاة وعملية الانفاق في سبيل الله المتعال الذي هو مؤشر مهم على وجود علاقة متينة بين شيء حسي هو المال والاعيان وشيء غيبي هو الاخرة .
ولا ننسى امرا فاتنا في قضية الدلالات العلمية والعملية من خلال ولادة المسيح (ع) وهي وصفه (ع) بالمبارك اي النفاع ، ففي كل موطن ومورد يكون فيه عيسى ( ع) يكون نفاعا وصاحب بركة ، وكذا نحن علينا ان نكون كذلك ، وان لم نستطع ان نكون نفاعين فمن الضروري ان لا نؤذي احدا .