احتشد الناس على باب علي وضغطوا عليه بشدة القبول الخلافة. وكان من شدّة ازدحام الناس – كما يعبر هو – بحيث كاد الحسن والحسين ع – اللذان كانا قد بلغا مبلغ الرجال في ذلك الحين – أن يوطَئا تحت الأرجل، فكانت النتيجة أن قبل بتولي الحكم.
لم يمضِ زمن طويل حتى بدأ اثنان من أقرب المقرّبين إليه (وهما طلحة والزبير اللذان كانا أول من بايعه من الناس”) بمعارضته بدعوى أنه يتبع أسلوبا دكتاتوريًّا ولا يتشاور معهما في الأمر، قائلين:
لم نبايعك إلا لنكون شركاءك في الأمر، فنحن أصحاب وجاهة ومكانة في هذا البلد الإسلامي.
فرد عليها الإمام قائلا:✨ إني أعمل بأمر الله عز وجل وسنّة نبيه ، ولا حاجة لي بمشورتكما في طاعة الله ورسوله. فقد بايعني الناس على أساس کتاب الله وسنة رسول الله
وقلتُ: أقبل بالخلافة بشرط أن أعمل بالقرآن وبسنة النبي فلا تطالباني بشيء آخر. ولقد بايعتماني على هذا الأساس، وإني لم أتصرف بما يُخالف كتاب الله وسنة رسوله كي تؤاخذاني عليه”.✨
ففي مثل هذه الأجواء يقول الإمام علي : إنَّ الفتنة التي كانت على عهد رسول الله ، حيث كان الناس يعيشون في جاهلية، قد عادت اليوم ثانية فنسيتم الإسلام، فقد كان هؤلاء يتوقعون أن تتمّ مشاورتهم واستطلاع آراء الناس.
لكن أمير المؤمنين عل يقول: ✨إنني لم اخطئ في الأمر بل أنتم الذين أخطأتم، فقد التبس عليكم الحق والباطل ولم تعودوا قادرين على التمييز بينها.✨
والآن وانطلاقا من هذه الذهنية فلتمعن في قوله: ✨«إن معي بصيرتي مالبس على نفسي ولا لبس علي»✨؛
فلم أتعمّد في جعل الأمر يشتبه علي حتى تخدعني نفسي وما أعلم أنه باطل تصوره لي حقّا، كما أنه لم يستطع أحد أن يجعل الأمر ملتبسًا عليّ أيضا. فإنني على بصيرة من أمري؛ أرى ماذا أصنع وأعلم ما الذي ينبغي علي فعله.
فأي تيارات كانت قد نشأت على مدى ما يناهز خمسة أعوام من حكم علي علي وأي مشاكل واجهها⁉️
وقد كان من أهمها واقعة الجمل وحربا صفين والنهروان. فقد قالوا لعلي في واقعة الجمل: نعلم أنك صهر النبي وأنه كان يحبك، وندري أنك رجل صالح وقد خدمت الإسلام، لكن الذين يقفون أمامك هم طلحة والزبير وزوج الرسول
فمن قال إنك تقول الحق؟ ⁉️فلعل الأمر ملتبس عليك‼️
فقول أمير المؤمنين ل: «إن معي لبصيرتي» يحمل مغزى عميقة؛ فهو يقصد: آنكم لستم من أهل البصيرة. وإني لا اخطئ، بل أعلم ما أصنع!
بقلم: آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي