البث المباشر
  • الرئيسية
  • من فكر المرجع اليعقوبي
  • أهل البيت
  • المناسبات الإسلامية
  • الدين والحياة
  • البث المباشر

اتباع الهوى

اتباع الهوى

11 أغسطس 2018
969 منذ 8 سنوات

صحيح أن الانسان في أصل خلقته مفطور على التوحيد ومعرفة الحق تعالى، إلا أنه عند ظهروه في هذا العالم الدنيوي، المادي، تواكبه مجموعة من الميول النفسية والشهوات الحيوانية من قبيل الشهوة والغضب وغيرها، والتي تعتبر ضرورية لحفظ الإنسان واستمراريته في هذا العالم الطبيعي.

ولكن المشكلة تكمن في من يتحكم بهذه الميول والشهوات ويديرها، فإذا كان الحاكم هو الله تعالى من خلال شريعته واتباع دعوة أنبيائه، فقد كتب الفوز لهذا الإنسان حتى يصير مظهرا لأسماء الله وصفاته.

وأما إذا كان المتسلط على هذه الميول والشهوات والحاكم عليها أهواء النفس، فإنها ستقوده إلى أسفل سافلين ليصبح حيوانا مفترسا بل آضل منه. وهكذا يطفئ ظلام أهواء النفس نور الفطرة والعقل والإيمان فيحرم هذا الإنسان من لقاء الحق ونيل فيوضاته وكراماته المطلقة .

إعلم أن النفس الإنسانية وعلى الرغم من كونها مفطورة على التوحيد، بل جميع العقائد الحقـة، إلا أنها منذ ولادتها وخروجها إلى العالم تنمو معها الميول النفسية والشهوات الحيوانية، إلاّ من أيّده الله وكان له حافظ قدسي. ولما كان هذا الاستثناء من النوادر فإنه لا يدخل في حسابنا، لأننا نتناول نوع الإنسان عموماً. لقد ثبت في محلّه بالبراهين أن الإنسان منذ أول ظهوره، وبعد مروره بمراحل عدّة، لا يعدو أن يكون حيواناً ضعيفاً لا يمتاز عن سائر الحيوانات إلاّ بقابليةالإنسانية.

وأن تلك القابلية ليست بمقياس إنسانيته الفعلية. فالإنسان حيوان بالفعل عند دخوله هذا العالم، ولا معيار له سوى شريعة الحيوانات التي تديرها الشهوة والغضب. ولما كان لهذا الإنسان وهو أعجوبة الدهر ذات جامعة، أو قابلة للجمع، فإنه لكي يدير هاتين القوتين، تجده يتوسل استعمال الصفات الشيطانية من قبيل الكذب والخديعة والنفاق والنميمة وغيرها من الصفات الشيطانية الأخرى.

وهو بهذه القوى الثلاث ـ الشهوة، الغضب، والشيطنة التي هي أصل كل المفاسد المهلكة، يخطو نحو التقدم، فتنمو فيه كذلك هذه القوى وتتـقدم وتتعاظم. وإذا لم تقع هذه القوى الثلاث تحت تأثير مربّ أو معلم، فإنه يصبح عند الرشد والبلوغ حيواناً عجيبا يفوز بقصب السبق في تلك الأمور المذكورة على سائر الحيوانات والشياطين، ويكون أقوى وأكمل في مقام الحيوانية والصفات الشيطانية من الجميع.

وإذا ما استمرت حاله على هذا المنوال، ولم يتبع في هذه الشئون الثلاثة سوى أهوائه النفسية، فلن يبرز فيه شيء من المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، بل تنطفئ فيه جميع الأنوار الفطرية.

فتكون النتيجة وقوع جميع مراتب الحق التي لا تعدو هذه المقامات الثلاثة التي ذكرناها ـ أي المعارف الإلهية، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة ـ تحت أقدام الأهواء النفسية.

وعندئذ يصبح إتباع الأهواء النفسية والرغبات الحيوانية حائلاً دون أن يتجلّى فيه الحق من خلال أية واحدة من تلك المراتب، ويطفئ ظلام النفس وأهواؤها كل أنوار العقل والإيمان، ولن تتاح للإنسان الولادة الثانية، أي الولادة الإنسانية، بل يمكث على تلك الحال فيكون ممنوعا ومصدودا عن الحق والحقيقة إلى أن يرحل عن هذا العالم.

إن مثل هذا الشخص إذا رحل عن هذا العالم بتلك الحالة، فلن يرى نفسه في ذلك العالم، عالم كشف السرائر، إلاّ حيواناً أو شيطاناً. فلا تشمّ منه رائحة الإنسان والإنسانية أبدا، ويبقى في تلك الحال من الظلام والعذاب والخوف الذي لا ينتهي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. إذاً هذه هي حال التبعية الكاملة لأهواء النفس والتي تُبعد الإنسان نهائيا عن الحق .

ومن هنا يمكن أن نعرف أن ميزان البعد عن الحق هو إتباع هوى، ومقدار هذا البعد يقدر أيضا بمقدار التبعية للأهواء. أما لو استطاع هذا الإنسان أن يجعل إنسانيتة التي اقترنت منذ ولادته بالقوى الثلاث، وترعرعت وتكاملت تلك القوى أيضا مع نمو الإنسان وتكامله- واقعة تحت تأثير تربية تعاليم الأنبياء والعلماء والمرشدين، ومسلماً قواه شيئاً فشيئاً لسلطة تربية الأنبياء والأولياء عليهم السلام، فإنه لا يمضي عليه وقت طويل حتى تصبح القوة الإنسانية الكاملة، التي أودعت فيه على أساس القابلية والإستعداد إلى حيز الفعلية وتظهر للعيان، فترجع جميع شؤون مملكته وقواها إلى شأن الإنسانية بحيث يجعل شيطان نفسه يؤمن على يديه، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: “إنَّ شَيْطَانِي آمَنَ بِيَدي”2 فتستسلم حيوانيته لإنسانيته، حتى تصبح مطيّه مروّضه على طريق عالم الكمال والرقي، وبراقا يرتاد السماء نحو الآخرة، ويمتـنع عن كل معاندة وتمرد. وبعد أن تستسلم الشهوة والغضب إلى مقام العدل والشرع تنتشر العدالة في المملكة، وتتشكل حكومة عادلة حقه يكون فيها العمل والسيادة للحق وللقوانين الحقة، بحيث لا تتخذ فيها خطوة واحدة ضد الحق، وتكون خالية من كل باطل وجور.

وعليه فكما أن ميزان المانعية عن الحق والصدّ عنه إتباع الهوى، فكذلك ميزان اجتذاب الحق وسيادته هو متابعة الشرع والعقل. وبين هذين المقياسين، وهما التبعية التامّة لهوى النفس والتبعـيّة التامة للعقل منازل غير متناهية، بحيث أن كل خطوة يخطوها في إتباع هوى النفس، يكون بالمقدار نفسه قد منع الحق، وحجب الحقيقة، وابتعد عن أنوار الكمال الإنساني وأسرار وجوده.

وبعكس ذلك، كلما خطا خطوة مخالفة لهوى النفس ورغبتها، يكون بالمقدار نفسه قد أزاح الحجاب وسمح لنور الحق بأن يتجلى في مملكته.

مشاركة المقال:

مقالات مشابهة

عشرون عامًا في البحوث العالية

بين وهم التحليل وحقيقة الانتظار:كيف نهيئ أنفسنا لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف؟

المبعث النبوي الشريف: قراءة تأسيسية في بناء العقل المسلم 

الجدول

  • على الهواء
  • التالى
  • بعد

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

لا توجد برامج متاحة في هذا التوقيت

مناسبات شهر ربيع الاول

شهادة الامام الحسن العسكري ع

8

ولادة النبي الاكرم (ص)

17

ولادة الامام جعفر بن محمد الصادق ع

17

تابعنا

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لقناة النعيم الفضائية