ونحن نعيش أحزان ليلة شهادة الإمام الصادق ع نطل بعقولنا وقلوبنا واقلامنا وأفكارنا على بعض جوانب شخصية وتراث مولانا ابي عبد الله جعفر بن محمد ع ، في سياحة معرفية في عشر عنوانات، يتضمن كل عنوان تاملات وأفكار ورؤى في رحاب صادق العترة ع في عدة حلقات لكل عنوان تاتي تباعا أن شاء الله تعالى.
العنوان الأول: ( ألقاب الََمعصومين ع مرآة لكمالاتهم، لقب الصادق أنموذجاً)
فقد يظن بعض الناس أن اللقب مجرد لفظ يمكن أن يطلقه الإنسان على نفسه متى شاء ، أو يخلعه عليه محبوه وذووه وأتباعه جزافا متى رغبوا في ذلك.
وقد يكتسب به _ أي اللقب _ منزلة ومقاماً بين الناس، ولعل فيه مكاسب إعلامية ومادية، خصوصاً اذا كان لقبا براقاً وجذاباً و يحاكي مشاعر الناس وبعض أفكارهم وتصوراتهم، و قد يعظم الأمر إذا سوق _بضم السين وتشديد الواو _ له باحتراف، وروج له باعلام ممول.
وهذا مع الأسف َمن الأمراض الأخلاقية التي تصيب الإنسان وتصيب الجماعة، والذي يبحث فيه عن المنزلة الاجتماعية والحفاوة وسط الناس، ويبتغى من خلاله المطامع والامتيازات.
وهذا ينطبق على الفرد من جهة، وعلى المؤسسة َمن جهة أخرى. والتاريخ قديما وحديثا مشحون بالامثلة والمصاديق ما لا يعد ولا يحصى َممن توهموا القابا علمية أو دينية أو اجتماعية أو سياسية أو جهادية و تلبسوا بها، وصرفوا الأموال لأجل تثبيتها في ذهنية أبناء المجتمع، وفي تدوينات تاريخه، وساعدهم في تركيزها من يعتاش على فتات موائدهم، ومن اتبعهم عن جهل مركب أو بسيط.
وهذا بطبيعة الحال لن يكسب الإنسان شرفا عند الله تعالى ، ولن يرفعه منزلة عنده سبحانه ،و لن تنفعه العناوين البراقه المزيفة في آخرته ومستقره في دار القرار ، وان حصل من خلالها على شئ في هذه الحياة الدنيا وهو فان وزائل ومتلاش ، وهذا يمكن أن نطلق عليه اللقب السلبي.
روي عن الإمام علي ع : ( من عرف قدر نفسه لم يهنها بالفانيات .
و عنه (عليه السلام): من عرف نفسه جل أمره.
(ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ١٨٧٧)
وعنه ع : طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصَلَحَت سريرته، وحسنت خليقته. ( على محمد دخيل، نهج البلاغة، ص ١٢٣).
اما اللقب المشرق او الإيجابي فهو اللقب المشتقَ من صفات الإنسان وأخلاقه الحقيقية، و يكون مرآة لكمالاته، وحاكيا صادقا عن ملكاته، وتجل واضح عما يحمله فعلا من قيم ويتبناه من مبادئ.
وهنا وفي إطلالة على ألقاب المعصومين ع نقول :
اولا : نراها _ والحال هذه _ من الصنف الثاني الإيجابي المشرق المشتق من منازل الكرامة عندهم، وحاكيا عن صفاتهم وأخلاقهم وملكاتهم.
ثانيا : تعتبر ألقاب المعصومين ع مدخلا ينفذ من خلاله الى دراسة بعض جوانب تاريخهم، وتحليل شخصياتهم و والوقوف على عطائهم .
ثالثا : تعبر بعض الألقاب عن اختصار لبعض الحقائق الدينية والاعتقادية المرتبطة بالإمام ع.
فمثلًا من المعروف عند الفريقين أن لقب الإمام هو للإمام علي ع ، وهذا اللقب مختص به ع وبالأئمة من بعده، فغيرهم من الصحابة لا يُلقب بالإمام حتى من قبل أتباعهم فأتباع مدرسة الخلفاء لا يلقبون الخلفاء بالإمام، وإنما بالخليفة.
فيجمع المسلمون كافة على أن هذا اللقب خاصة علي ع، فحتى الذين لا يعتقدون أنه الأول بعد رسول الله صلى الله عليه واله يلقبونه بالإمام ، وهذا اللقب يختصر نظرية الإمامة بمعنى تعين الإمام المعصوم من قبل الله عزّ وجل ، وهو ما يعتقده الشيعة الإمامية الاثني عشرية على وجه التحديد.
ومثل هذا أيضًا لقب الوصي الذي اختص به أمير المؤمنين ع فهو يختصر نظرية التاريخ والعقيدة وهي أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام وقبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى كان قد أوصى وخلّف من بعده وصيًا يقوم بشوؤن الأمة وقضاياها
فالألقاب إضافة لكونها تبين أدوار المعصومين ع، وبعض جوانب شخصياتهم، هي كذلك اختصار يعبر عن المفاهيم العقائدية و الدينية ).
رابعا : تحمل ألقاب المعصومين ع بعد التعظيم والتبجيل ، فقد لقبهم بها جل علاه بوحيه لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله، فهي كاشف عن مكانتهم واستحقاقهم للتحميد وللتشريف لديه تعالى.
خامسا : ( أن الناس كانوا يهتدون إلى تلك الألقاب، ويطلقونها على المعصومين ع بالاستناد إلى الواقع الذي يشاهدونه، وإلى الوقائع التي رأوها ووعوها. أو بملاحظة كلام صدر في حقهم من الله تعالى ورسوله ألكريم صلى الله عليه وآله، وهنا تتوافق الوقائع والأحداث مع النص والتوقيف، فيظهر المزيد من التشريف والتكريم لصفوة الخلق صلوات الله وسلامه عليهم).
سادسا : الألقاب سيالة في كل المعصومين ع، فكلهم عالمون وعابدون وصادقون وزين للعباد وكاظموا الغيظ وغيرها.
وأما اختصاص بعض المعصومين ع ببعض الالقاب دون بعضها الآخر، ومعرفة الإمام ع بها دون بقية الأئمة ع، ذلك راجع لعدة أسباب منها:
أ_ أن النبي صلى الله عليه وآله اختص بعض الأئمة ببعض الألقاب.